مقالات

الأخلاق بين الإسلام والفلسفة – الجزء الثاني

رفع الله شأن الإنسان ووهبه عقلًا يزن به الصحيح من السقيم ويعقله عن الفساد ويحجزه عن الضرر، وجاء الإسلام متوافقًا مع الأخلاق التي يقرها العقل السليم، ويشهد على ذلك ما قاله أكثم بن صيفي –من حكماء العرب- في دعوته لقومه إلى الإسلام: “إن الذي يدعو إليه محمد لو لم يكن دينًا لكان في خلق الناس حسنًا”[1]. لكن الله –تعالى- لم يجعل العقل سبيلًا أوحد للوصول للحقيقة، إذ أن أداة العقل تُحد بحدود ضيقة يقصر على أي إنسان أن يحيط بكل شيء بسببها.

كما أقر الإسلام أهمية ضمير المرء ووازع الردع عن الحرام، كما جاء في الحديث: “والداعي مِنْ فوقٍ واعظُ اللهِ في قلْبِ كُلِّ مسلِمٍ”[2]، والحديث الآخر: “البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس”[3]. وقد أقر القرآن هذه الحقيقة أيضًا في قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)} لكنه لم يكتفِ بتشريع الضمير كحاكم نهائي على الأخلاق فالضمير قابل للتلاعب والخداع وأحيانًا الموت، كما أن الإلهام الداخلي لا يمكن الاتكاء عليه بشكل موضوعي وإنما يعتمد على التجربة الذاتية البحتة.

وأخبرنا الإسلام كذلك بحيوية الفطرة الإنسانية في تذوق المعاني الجبلّية التي يتفق عليها كل ذي فطرة سليم، ففي حادثة الإسراء أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن سيدنا إبراهيم عرض عليه إناءً من لبن وآخر من خمر ثم خيّره بشرب أيهما فشرب النبي -صلى الله عليه وسلم- من إناء اللبن فقال له سيدنا إبراهيم:”هُدِيتَ الفِطْرَةَ، أوْ أصَبْتَ الفِطْرَةَ”[4]. سيدنا إبراهيم عرض عليه إناءً من لبن وآخر من خمر ثم خيّره أرة المصدر الأساسيلكن الإسلام لم يجعل الفطرة المصدر الأساسي للتشريع الأخلاقي كذلك إذ أن فِطَر الناس معرضة للتشوه والاختلال والإفساد بفعل العوامل الاجتماعية والثقافية المختلفة.

فإذا لم تكن كافة هذه الأدوات مصدرًا للإلزام الأخلاقي للإسلام فما هو الحَكَم في تقرير الأخلاق الصحيحة من تلك الفاسدة؟

لقد استند الإسلام إلى القرآن والسنة في مرجعيته الأخلاقية الحاكمة على كافة السلوكيات الإنسانية. فالوحي في العقيدة الإسلامية هو نور الفطرة الذي يهدي الضمير ويرشد العقل إلى ما ينفعه في الدنيا والآخرة. فلا يعرف أحد جوهر النفس وشريعة سعادتها وكمالها غير خالق وجودها ذاته، {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.

إن مصدر الإلزام الجوهري في الأخلاق الإسلامية هو الوحي الإلهي، رسم الإسلام منهجًا صارمًا للأخلاق لا يعوز الإنسان بعده شيء. فالقرآن لا يكتفي بوضع قاعدة للسلوك وإنما يرسي عليها بناءً ضخمًا من القواعد أعظم متانة وأشد صلابة، والإنسان يدور مع النص الشرعي حيث دار {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّـهِ}.

والضلال كل الضلال في التخلي عن شريعة الوحي الرباني لأجل أي منهاج بشري قاصر، فإذا هجر الإنسان منهاج الله فبأي منهاج يسير؟ وإذا تخلى البشر عن حاكمية الشريعة الربانية فإلى أي شريعة يحتكمون؟

وبهذه القاعدة الربانية في الاحتكام أولًا وأخيرًا إلى شريعة الله، يضرب الإسلام النظريات الفلسفية الثلاثة، التي استعرضانا في المقال السابق، في مقتل. فمن ناحية، يحارب الإسلام بشدة اتباع الإنسان لهواه الشخصي، فإن النوازع النفسية تميل في الغالب إلى استجلاب أكبر قدر من اللذة الشخصيى واستبعاد أي قدر ممكن من الألم دون اكتراث بآلام الآخرين، الأمر الذي تؤمن به الفلسفة النفعية.

وعلى النقيض، يأمر ربنا تعالى الناس بكبح جماح الهوى، والانقياد للشريعة، وتقوى الله في السر والعلانية دون الالتفات للهوى الشخصي، فإن ذلك هو طريق النجاة وسبيل الحياة: {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ}.

ومن ناحية أخرى، يتفق كانط مع مصدرية العقل للتشريع الأخلاقي، لكن الحرج الذي وقع فيه كانط وكان نقدًا شديدًا لنظريته الأخلاقية هو اختلاف الناس حول الأخلاق العقلية، فما يراه أحدهم حسنًا قد يراه آخر باطلًا، فإدراك الناس متفاوت وتجاربهم متباينة، وضروب الشك لا تحصى وصنوف الضلال أكثر من أن تعد. إن نسبية الأخلاق العقلية هي الصخرة التي تصطدم بها فلسفة كانط القائمة على الواجب الضميري.

أمام ظلام الشك هذا يطرح الإسلام عقيدة صافية جلية لا تشوبها شائبة ولا مجال للعقل للاجتهاد فيها، فالعقل كالرسول يهدي الإنسان إلى الوحي ثم يترك المجال للوحي ليرشده في بقية الطريق، والنصوص الشرعية هي السلطة العليا التي تحسم أي خلاف، ومن نور الوحي تشرق جنبات الأخلاق الإنسانية، وفي ظل الشريعة الإسلامية تؤسس أقوى المنظومات الأخلاقية على الإطلاق.

ومن ناحية ثالثة وأخيرة، فإن الفلسفة النسبية التي تؤمن أنه ليس ثمة أخلاق مطلقة ولا معايير موضوعية حاكمة للبشر جميعًا، لا تصمد البتة أمام إحكام النص القرآني ونور النبوة البديع. فالمثل الأخلاقية هي مثل عليا تتجاوز جميع البشر وتوجد في الحقيقة بصفتها أوامر ونواهي صادرة من الله تعالى، والله طيب ولا يأمر إلا بطيب ولا يقبل إلا الطيب، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ}.

بل أن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أحكم البشر وأعدلهم وأنقاهم سريرة، أقر بأوضح وجه وأصرحه أن رأي الإنسان لا سلطان له على أحد، وأن رأي النبي نفسه حول أمور الدنيا ليست معصوصة من الخطأ من حيث كانت خارج نطاق رسالته، فقال في الحديث: “إذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر، ولكن إذا حدثتكم عن الله فخذوا به، فإني لن أكذب على الله”[5].

ثم تتكامل الرؤية الأخلاقية للإسلام بفكرة المسؤولية الشخصية تجاه هذا الإلزام الأخلاقي للنصوص الشرعية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}. ونصّ القرآن على حقيقة المسؤولية وما يترتب عليها من الثواب والعقاب في ألفاظ تامة الوضوح: { مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}.

وهكذا يعامل المسلم ربه في معاملاته مع الناس، فلا ينتظر المسلم جزاءً من أحد سوى من الله تعالى ثوابًا على أفعاله الخيّرة { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}. وكل فعل أخلاقي للمسلم إنما تنبع مسؤوليته من الحساب عليه يوم القيامة، وهو في ذلك يدرك تمام الإدراك أنه ما من ذرة عمل إلا وهو محاسب أمام الله عليها، قبل أن يُحاسب أمام الناس وأمام نفسه، فمن أحسن أثاب، ومن أساء عوقب، فنفسه التي بين جنبيه هي إما قائدته إلى الجنة وإما إلى النار، {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}.

بقلم/ إسماعيل عرفة

[1] أبو الفضل الميداني، مجمع الأمثال، القاهرة: مطبعة السنة المحمدية، 1955م، 2/368.

[2] رواه النسائي والترمذي وأحمد.

[3] رواه مسلم.

[4] رواه مسلم.

[5] رواه مسلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى