مقالات

الاعتراض على النبوة ج1

لو أن لديك صرحًا عظيمًا، تضرب أساساته في الأرض إلى بُعد سحيق، وقف على مر الزمان دون أن تتزلزل أركانه أو يهتز بنيانه، فإنك ستبيت مطمئنًا في كل ليلة تنظر إليه فيها وتتأمل مدى متانته. حينها لن يخفيك عبث العابثين ببنيانه وقد ثبتت قواعده. لكن هل يعني هذا أن تتوقف عن رد العابثين بما يستحقون؟ وهل يعني الاطمئنان للأساس السماح بتخريب الأدوار العُلى والعمران البديع؟

مثل ذلك البناء في مجال حديثنا كمثل ظاهرة النبوة، ومثل الأساسات المتينة كمثل البراهين العقلية والنقلية على ثبوتها وإمكانها، بل وضرورتها، بينما مثل القوام الخارجي والأدوار العُلى كمثل الحقائق المترتبة على ثبوت النبوة، والتي تعبث بها يد البعض بالتشكيك والإنكار ليخر سقف البنيان عليه، فيتشكك المؤمنون في أنبيائهم وتختلط عليهم البراهين بالشُبهات؛ ليتزلزل البناء ويوشك أن ينهدم أعلاه. ولهذا دعونا نُلقي نظرة العناية إلى السقف وندعمه، ونذهب إلى الأدوار العُلى لنكفّ العابثين عن عبثهم.

انقطاع الوحي

في خضم الشبهات الثانوية، تأتي شبهة انقطاع الوحي ليشكك بها المشككون في حقيقة النبوة، فيقولون: “لو أن النبوة حق لما قطعها الإله عن البشر”. وفي هذا الصدد نقول: “تعالوا لتخيّل أن مريضًا هذيل البنية وصف له طبيبه عددًا من المكمّلات والفيتامينات لتستقيم صحّته، ثم ما لبث أن بلغ جسده مبتغاه منه، فأخبره الطبيب أنه لا حاجة له بهذه العقاقير، فهل يمكن لموقف كهذا أن يتسبب في أي شُبهة حول العلاج أو الطب؟! وهل يعبث هذا بيقين المريض في علاجه ونفعه له وقد شاهد آثاره ولمسها؟!

خُذ هذا الأمر وقارنه مع سؤال السائلين عن انقطاع الوحي، فوصفة الدواء كانت حتميةً بقدر حاجة المريض إليها، وتوقف الطبيب عن وصف الأدوية للمريض ليس لعدم أهميتها، ولكن لكونه استخدمها في تقوية جسد المريض ثم إرشاده لأسلوب حياة صحي يحافظ على جسده قويًا عن طريق التغذية والرياضة وما إلى ذلك. ومع الفارق في القياس، إلا أن النبوة كانت تؤدي في البشرية الوظيفة ذاتها، وهي أن ترشدها إلى خالقها وتلهمها، وكانت تأتي النبوات واحدة تلو الأخرى مكملةً لسابقتها، ومصححةً لانحرافات البشر عنها، أو تأتي في أرض أخرى غاب عنها نور النبوة… وهكذا. لكن بمجرد ظهور الدين الخاتم، المكمل الناسخ لكل ما سبقه، والذي أرسله الله إلى البشرية جمعاء، أصبحت البشرية على علم تام بوظيفتها والهدف من وجودها، وأصبحت الرسالة عامة وبلغت كل الآفاق، وحينها إذا انقطعت النبوة فلن تعجز البشرية عن إيجاد الهداية والسبيل.

ونحن لا نقطع بالطبع بالغرض الإلهي من ذلك الانقطاع، فالله وحده أعلم، ولكننا نتلمس الحكمة في الواقع والشواهد. ثم، وبالنظر إلى السؤال المذكور، فإن سائله لا يخرج عن أحد صنفين: الأول مؤمن بالنبوة ومصدّق بها، وهذا تكفيه إجابة بسيطة وهي أن النبوة قدر الله وإرادته، يرسلها ويمنعها في الخلق بحكمته وتقديره كما يشاء. والثاني هم الربوبيون ومنكرو النبوة عمومًا، وهنا تكون المفارقة؛ فالسائل عن توقف النبوة يقرّ -ضمنيًا- بحدوثها، وإلا فسؤاله التشكيكي هنا في غير مكانه، لأنه يقفز على البراهين العقلية دون تدرج، فإن كان حكمه على النبوة نفسها أنها محض ادعاء، فسؤاله مخالف للواقع لأن مدعيي النبوة ما يزالون يتوافدون على البشرية إلى الآن. 

أمّا إن كان سؤاله من باب الاستشكال، فالرد عليه من وجهين: الوجه الأول هو القفز على البراهين، وفي هذا السياق يذكر الدكتور سلطان العميري أن العبرة في التصديق بالنبوة والتسليم لها ليس في وقتها، ولا في مكانها، ولا في شخص النبي الذي يحملها.. وإنما العبرة في ذلك كله بالبرهان الدال على صدقها، فمتى تحقق البرهان العقلي على إمكان النبوة وثبوتها فإن هذا لا ينهار بالسؤال المتهافت عن توقفها.

لذا قد يتساءل البعض: ما دام الأمر يتوقف على ثبوت البُرهان بصرف النظر عن زمانه ومكانه وشخص النبي، فلماذا لم تتوقف النبوة على نبي واحد فقط، تقوم به الرسالة الإلهية إلى الأبد؟ وللإجابة عن ذلك ننتقل إلى الوجه الثاني، وهو: الحاجة إلى النبوة.. وفي ذلك يقول أبو الأعلى المودودي أن القرآن يخبرنا عن أربعة أسباب، ظهرت لأجلها الحاجة إلى الأنبياء.

السبب الأول، والأبسط، هو أن توجد أمة من الناس لم يأتِها نبي ولم تصلها تعاليم نبي مبعوث في أمة أخرى، فهي تحتاج من يوصل إليها رسالة الخالق. أما السبب الثاني هو انمحاء تعاليم نبي هذه الأمة أو نسيانها أو تحريفها بالصورة التي يعجز معها الناس على اتباعه، وهنا يأتي نبي مُصحِّح ومجدد للرسالة. أو أن تكون بعثة أحد الأنبياء تمهيدية تحتاج من يكملها ويتمم تعاليمها، فيبعث الله النبي أو الأنبياء لفعل ذلك. أو أن يكون النبي المُرسَل نفسه بحاجة لنبي آخر يُصدّقه ويؤيده، كحال موسى وهارون، أو عيسى ويحيى عليهم السلام. وبالنظر إلى العوامل الأربعة، سنجدها فقدت تحققها ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فهو المتمم لكل ما سبقه، المصحح لما حُرِّف منه، المبعوث للعالمين جميعًا. فضرورة الوحي لا تقتصر على وجود من يُوحى إليه، وإنما المقصود هو الوحي نفسه.. فمتى ثبت وقوعه وتأكدّ حفظه بالبرهان العقلي، لم يكن لاستمرار النبوة من عدمه أثرًا على حقيقة وجودها.

بهذه المنهجية الفكرية يمكننا النظر لانقطاع الوحي على أنه حكمة إلهية لغرض مخصوص، تمامًا كما كانت النبوة نفسها حكمة إلهية بغرض هداية البشر، هذا فضلًا عن حِكم أخرى قد يدركها المتأمّل المؤمن بحكمة الله وعظمته، وهي المنهجية ذاتها التي سنستخدمها في الجزء الثاني من هذا المقال.

المصادر

1- سلطان العميري، ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث، م2.

2- أبو الأعلى المودودي، ختم النبوة في ضوء القرآن والسنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى