مقالات

الاعتراض على النبوة ج2

كنا قد تناولنا في الجزء الأول من المقال واحدة من استشكالات الربوبيين على النبوة، وهو السؤال عن انقطاع الوحي، وقد انتهينا حينها إلى التأمل العقلي في حكمة انقطاع الوحي وفي حكمة تعدد النبوة قبل ذلك، لننطلق بعدها إلى الاستشكال الثاني في سلسلة الاعتراضات، وهو:

النبوة في الشرق

وهنا يسأل السائلون: لماذا لا نسمع ذكرًا لنبيّ إلا ووجدناه في البقعة ذاتها من الأرض في بلاد الشرق الأوسط الحالي؟ فأين أنبياء الصين والهند؟ أين أنبياء أوروبا وأنبياء الأمريكتين؟ ولماذا لم نسمع عن نبي أسترالي بعد؟! بهذا الاعتراض يحتج كثير من الناس على وهم النبوة -كما يدّعون- لكن الرد على هذا أبسط مما يبدو، وذلك بأن نرد الاعتراض إلى العكس، فنسأل: هل يُعد عدم العلم بالشيء علمًا بانعدامه؟! وهل دل جهل البشرية بالذرة لأغلب فترات التاريخ على عدم وجودها؟ وهل عجزنا عن إدراك طبقة الأوزون حتى قرن مضى عطّل وظيفتها طوال 4 مليارات عام ونصف من تاريخ الأرض؟!

إذن، فما الحُجّة في أن يكون جهلنا بأنبياء أوروبا -مثلًا- دليلًا على عدم وجودهم؟! فقد يكون هذا الاحتجاج معتبرًا إذا كان المؤمنون يقصرون أنبياء الله على من ذكرهم القرآن وحسب، لكن ماذا إن كان القرآن نفسه يقول: “وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ”؟ إن هذا يفتح الاحتمالات أمام العديد من وجود الأنبياء في أزمان وأماكن لا نعلم عنها شيئًا.

فإذا انتقلنا إلى سياق آخر، وجدنا الآيات تخبرنا: “وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ”، وتخبرنا أيضًا: “وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ”. فإن كان هذا ما يخبرنا به الله نفسه، فأين حُجّة الإنكار على المؤمنين ما دام أحدًا منهم لم يدّعِ حصر الأنبياء في أنبياء الشرق المعروفين؟!

كذلك، يخبرنا القرآن في سياق منفصل بقوله: “كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ”، فإن كان هذا حال غالب الأنبياء مع قومهم، فكيف ننتظر ذكرهم كلهم في كتب التاريخ وقد علمنا أن التاريخ يكتبه المنتصرون؟! فإن لم يذكر القرآن موسى ومن معه، واقتصر اعتمادنا فقط على كتبة التاريخ الفرعوني، فهل يُعقَل أن يكتبوا أن رجلًا معه مجموعةً من العبيد قد أذلّوا الفرعون العظيم وأذهبوا ملكه في لمح البصر؟!  

كما أن المؤرخين -في العادة- لا يتركز نظرهم إلا على الأحداث العظيمة والشخصيات الشهيرة، وقد أخبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه رأى أنبياء يتبعهم الرجل والرجلان، وأنبياء لم يتبعهم أحد من العالمين، فأنّى لرجل لا يتبعه مخلوق، ويوصم بالجنون والسحر، أن يتواجد في كتب المؤرخين ومدوني الأمجاد؟! كما يذكر الباحث سامي عامري أن الشهرة الواسعة لأنبياء بني إسرائيل -مثلًا- قد ترجع إلى الكثرة الوافرة لهم، والتتابع السريع بينهم، وتحقق السُلطان لبعضهم، وكلها عوامل اجتماعية وسياسية قادرةً على إبرازهم بكثافة في التاريخ، فضلًا عن ذكرهم في الكتب المقدسة كلها.

كما أن عددًا من الشخصيات الروحانية الشهيرة في مختلف بقاع الأرض قد اختلف المحققون والعلماء على مر التاريخ في أمر نبوتهم من عدمها، وذلك لما ظهر في تعاليمهم من نور الحكمة النبوية وأخلاقياتها الملموسة في الرسالات السماوية المعروفة؛ ما يعني احتمالية أن يكونوا أنبياء مجهولين أو حتى أتباعًا لأنبياء لم نسمع بهم. إضافة إلى ذلك، يذكر المؤرخ الشهير ول ديورانت أن التاريخ القديم للأمم لم يحفظ بشكل كامل، وأن وسائل التحقيق المتعلقة بالجزء المحفوظ منه ما تزال ضعيفةً جدًا، ما يصف عملية التأريخ للعالم القديم بالفقر الشديد في المعلومات التاريخية الثابتة. وبجمع كل هذه النقاط يمكننا إيجاد الحلقة المفقودة حول أنبياء العالم المجهول، الأمر الذي يقودنا إلى سؤال آخر يستحق الإجابة عنه.

الدليل الخفي

مع ما ينقصنا من معلومات حول ظاهرة النبوة، وما تشمله من عدد الأنبياء ورسالاتهم وأماكنهم، يتساءل البعض: لماذا تعتمد النبوة على الطرق الخفية؟ لماذا لم يكن أمر الوحي -أو إرسال جبريل عليه السلام- مسموعًا ومرئيًا للجميع؟ وعلى الرغم من حضور هذا السؤال في حجاج البعض، إلا إنه -مع قليل من التأمل- لا يبدو قادحًا في قضية النبوة بأية حال. فثمة فارق بين طريقة الوحي، وبين ثبوت هذا الوحي، والمجادل حول الوحي إمّا أنه ينكره بالكلية أو يقبله بالكلية. فإن أنكره، أدخلنا إلى سياق الحجاج العقلي والبرهان حول ثبوت الوحي ودلائله، وإن قبله، فهو قد قَبِل بالتبعية الإيمان بغيبيات أخرى، يمكنها أن تتسع لغيبية جديدة عن سُبل الوحي؛ فعدم رؤيتنا للكهرباء لا يعني انعدامها ما دمنا نلمس أثرها ويبرهن على وجودها الواقع.

وعلى هذا، فإن خفيت وسيلة الوحي، فقد ظهرت دلائل حدوثه وصدقه، فإن لم نسمع القرآن من جبريل عليه السلام فقد سمعناه من النبي صلى الله عليه وسلم ولمسنا معجزاته وإجازه، فتحققت معجزة الوحي مع خفاء تنزّله عنّا؛ وذلك لأن القاعدة المنطقية تقول أن عدم العلم بطريق حصول الشيء، لا يستلزم بالضرورة الحكم بعدم صحته، فأنت قد لا تدرك عاطفة والداك وهما يضحيان لأجلك، لكنّك لا تستطيع أن تنكر حدوث هذه التضحية، لكن، ولأن الأسئلة تأتي ببعضها، فقد أتى سؤال الخفاء للآخرين بسؤال آخر قد يثير الذهن.

أنسنة النبوة

يرى الفيلسوف الشهير باروخ اسبينوزا، أن النبوة راجعةً إلى الخيال الإنساني، وأنها لولا هذا الخيال لم تكن لتوجد على الإطلاق. الأمر الذي وافقه البعض من مدرسة تحليل اللاشعور السيكولوجية؛ إذ فسروا ظاهرة النبوة بوصفها حالةً نفسيةً مرضيةً تمر بالنبي، فينتج عنها المضامين التي يدعي فيها أنها وحي منزّل عليه من الله.

ولرد هذا الإشكال يمكننا الرجوع إلى أكثر السير النبوية توثيقًا وأغزرها من حيث توافر المعلومات.. وهي سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.. وذلك من وجهين رئيسيين: أما الوجه الأول فهو تضمُّن رسالته القرآنية معارف وعلومًا يستحيل أن يتحصل عليها أي شخص بقوة عقله أو أن تكون نتاجًا لحالة نفسية يعيشها النبي مع ذاته، فضلًا عن ذكر الأمم السابقة، والتنبؤ بالمستقبل البعيد -كعلامات الساعة- أو المستقبل القريب كانتصار الروم، والتطرق لموضوعات علمية دقيقة لم يسمع بها العرب من قبل، كأطوار الجنين في الرحم، وظُلمة قاع البحر، ونقص الأكسجين عند الارتفاعات… وما إلى ذلك. كلها قضايا لم تكن داخل الإدراك العربي من الأصل حتى تنتج من داخل نفسية النبي.

أما الوجه الثاني فهو اختفاء شخصية النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن تقريبًا، فعلى الرغم من نزول القرآن متفرقًا ومعايشته لأحوال الغزوات وأمور المؤمنين وتساؤلاتهم، إلا أن أبرز الأحداث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قد نجدها غائبةً تمامًا عن الذكر القرآني، كعام الحزن الذي رحل فيه العم الحامي والزوجة الداعمة، وكموت الأبناء والبنات، وكموت حمزة وجعفر أعمام النبي وقادة جيوشه وبعوثه، فكلها أمور لا يمكن لإنسان -كائن من كان- أن يسقطها من نفسيته، فإن كان الوحي نتاج هذه النفسية وتفاعلاتها، فكيف لا نرى فيه أثر هذه الأمور؟ وإن كان الوحي تجلٍ لذات النبي، فكيف تصبر هذه النفسية شهرًا بعد اتهام عائشة في حادثة الإفك دون تبرئتها، إلا إذا كان هذا الوحي خارج عن ذات الرسول وإرادته، وكان رسالةً سماويةً متجاوزةً، يأتيه فيه الله بما شاء في الوقت الذي يشاء، ويؤجّل عنه منها ما يريد في الوقت الذي يريد.

فهذان وجهان لا يرى معهما العاقل أي إرادةً للنبي في رسالته ومعجزته الأبدية الخالدة.. كتاب الله وقرآنه، “وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (*) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ”. فإن صدق هذا في حال نبينا صلى الله عليه وسلم، فهو أوقع أن يصدق في حال الأنبياء أجمعين عليهم الصلاة والسلام.

المصادر

سلطان العميري، ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث، م2.

فيلسيان شالي، موجز تاريخ الأديان

برتراند راسل، تاريخ الفلسفة الغربية

عصمت نصار، الفكر الديني عند اليونان

مصطفى النشار، فكرة الألوهية عند أفلاطون

محمد ضياء الأعظمي، دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند

ويل ديورانت، قصة الحضارة

اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة.

إميل بوترو، العلم والدين في الفلسفة الحديثة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى