مقالات

 التلوث العلمي (1/2): تأثير السياسة والمجتمع على العلماء

 عندما نتحدث عن العلم التجريبي، فنحن نتحدث عن وسيلة مهمة من وسائل تحصيل المعرفة، وعن نعمة نتقلب  بين فضائلها ذات اليمين وذات الشمال.

بفضل العلم الطبيعي تذللت لنا الحياة ولانت عصائبها وهانت صعائبها، وبفضله حلق الإنسان في الفضاء وغاص تحت الماء، واستكشف المحيطات، وفكك الذرة، ونزل (بمراكبه) على المريخ، وتعلَّم عن بعد، وقرأ تشفير الحمض النووي، وصنع الأمصال وقضى على عدد من الأمراض والأوبئة.

ولكننا عند الحديث عن هذا المفهوم (Science) يجب أن نفرق بين أمرين اثنين:

• الأمر الأول: العلم الطبيعي كأداة ووسيلة لقراءة العالم

• الأمر الثاني: العلم الطبيعي كممارسة واستنتاجات حول العالم

والفرق أن العلم كأداة ووسيلة هو آلة صماء محايدة، يمكنها أن تصف لنا الظواهر الكونية والطبيعية داخل كوننا، كما يمكنها أن تحدثنا عن الكيفية التي يشتغل بها الكون وما يجري داخله من أحداث طبيعية، ويمكننا بواسطته أن نحقق بعضا من الرفاه والتقدم المادي.

أما العلم كاستنتاجات وممارسة، فهنا ينتقل من كونه آلة صماء محايدة، إلى آلةٍ متفاعلة، تتفاعل مع الإنسان (Scientist) الذي يمارسها.

وفي هذا التفاعل بين العِلم والإنسان الممارس للعلم، يمكن أن يدخل خط ثالث، وهو ذات الإنسان أو خلفيته أو بيئته ومحيطه، ما يجعل العلم يتأثر بتلك الدواخل عليه، وبالتالي على استنتاجاته، أو بالأحرى، على الاستنتاجات المنسوبة إليه.

والمقصود، أن الممارسة العلمية هي في نطاقها الأخير ممارسة بشرية، يمارسها أشخاص من الإنس، بشر مثلنا ياكلون الطعام ويمشون في الأسواق، يسكنون في منزل، ويعيشون في مجتمع ومحيط، ولديهم قناعاتهم الدينية والسياسية وخلفياتهم الثقافية والعرفية، ومواقفهم من تغير المناخ وثمن البنزين وغلاء الأسعار وتعذيب الحيوانات ونوعية الأطعمة اللذيذة…

وعندما يدخل العالِم إلى المختبر، فهو لا يترك تلك الخلفيات في منزله، بل يصطحبها معه إلى المختبر، سواء بوعي منه أو بغير وعي، يقول عالم الأحياء والرياضيات والوراثة (التطوري) الأمريكي، ريتشارد ليونتين: “لا يبدأ العلماء حياتهم كعلماء، ولكن بعد كل شيء ككائنات اجتماعية منغمسة في أسرة، وفي دولة، وفي بنية إنتاجية، وهم بالتالي ينظرون إلى العالم من خلال العدسة التي تشكلت من خلال تجربتهم الاجتماعية.

وعلاوة على هذه المستويات الشخصية، فالعلم يصوغه المجتمع، لأنه نشاط إنتاجي بشري يتطلب وقتا ومالا، وبالتالي تديره وتوجهه نفس القوى التي تتحكم بالوقت والمال في العالم”.(¹)

وطبقا لأبجديات الممارسة العلمية، فإن تلك الخلفيات لا يجب أن تمرر إلى نتائج الاختبارات والنظريات والفروض والأبحاث، سواء كنت بوذيا أو يهوديا أو مسلما أو ملحدا، سواء كنت زوجا صالحا أو أبا فاسداً، طيبا أو شريراً، فإن أبجديات الممارسة العلمية لا تنتبه إلى خلفيتك في المقام الأول، قانون الجاذبية ليست له عقيدة، هو مجرد وصفٍ رياضي أو منطقي لسقوط الأجسام نحو (الأسفل)، وعندما تدرسه فإنك تدرسه كما هو، لن يتغير هو إذا تغيرت أنت، ما لم تسمح لمبادئك وأفكارك بالتسلل إلى استنتاجاتك حوله.

 ولكن يحدث أن تلك الخلفيات والأفكار تتسلل في كثير من الأحيان، سواء من طرف العالِم بوعي منه أو بغير وعي، أو من طرف الضغوطات والتأثيرات الخارجية.

على إثر تداعيات كوفيد-19، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أبريل من هذه السنة (2020) بتهديد يستهدف فيه منظمة الصحة العالمية، ثم بتاريخ 29 ماي 2020، خرج مجددا ليعلن قطيعة بلاده معها، لأنها “دمية في يد الصين” بحسب تعبيره، وأعلن أن أمريكا ستوقف دعمها عن هذه المنظمة، بعد أن كانت من أكبر الداعمين لها ماديا، حيث بلغت تبرعاتها 400 مليون دولار في عام 2019 فقط، أي ما يشكل نسبة 15% من إجمالي ميزانيتها.(²)

قد يبدو هذا الأمر طبيعيا للوهلة الأولى، ولكن بقليل من التأمل تنطرح مجموعة من الأسئلة!!

ما هو التأثير الذي تمارسه الجهات الداعمة على المؤسسات العلمية؟

ما هو الثمن الذي تدفعه المؤسسات العلمية إذا خالفت توجه الجهات الداعمة أو الحاكمة؟

ما مدى صحة تحكم الصين في منظمة الصحة حسب تصريح رئيس أمريكا؟

ما موقع المؤسسات العلمية من الصراعات السياسية بين الدول وتوجهاتها، كالصراع بين الصين وأمريكا؟

بتعبير آخر، فإن المؤسسات الأكاديمية والمنظمات العلمية هي مؤسسات مستقلة، ولكن ظاهريا فقط، أما في جوهرها فهي مؤسسات لها جهات منشئة وأخرى داعمة، ولها مقر جغرافي يقع داخل نفوذ دولة لها ارتسامات سياسية وتوجهات عقائدية، خذ لك أي مجلة علمية، أو دورية مراجعة للأقران، أو مؤسسة نشر، أو قاعدة بيانات، أو منظمة علمية، أو مركز بحث، فستجد يقينا أنها تتلقى تمويلا ودعما من جهة معينة، هذه الجهات هي مؤسسات حكومية في الغالب، أو جهات لها نفوذ معين أو سلطة معينة، وفي بعض الأحيان يكون مصدر التبرعات هو الجمهور، لكنه أيضا يدور عبر فلك التدبير الحكومي وتوجيه الضرائب، وإعلان إرادة الجمهور عبر القوة الانتخابية التي تمثلها الحكومة، وبالتالي فإن المؤسسات العلمية هي تعبير عن قوة السياسة بطريقة أو بأخرى في المطاف الأخير.

ليس المقصود بهذا أن المؤسسات العلمية عميلة لهذه العقيدة السياسية أو تلك، ولكن المقصود أنها انعكاس للمجتمع، بكل حمولته السياسية والثقافية والعقائدية.

لنفترض أن منظمة علمية كوكالة الفضاء، أو منظمة الصحة، أو بالأحرى مجلة علمية مرموقة، مفهرسة في قاعدة البيانات الأمريكية (Thomson Reuters)، وتتلقى الدعم من جهة حكومية أمريكية، تريد نشر شيء يتعاكس مع توجه سياسة الجهة الداعمة، لنفترض أن تلك الجهة الداعمة تتبنى الفلسفة الطبيعية، أو الداروينية الاجتماعية (Social Darwinism)، وكلاهما ينبني على التفسير المادي الطبيعاني الذي تقدمه نظرية التطور لنشوء وارتقاء الكائنات الحية، وكذا آلياتها الطبيعية، الطفرات (Mutations) والانتقاء (Natural Selecion) اللذان تنبني عليهما مفاهيم فلسفية كالبقاء للأصلح.

هنا السؤال: هل ستسعى تلك المجلة إلى مسايرة توجه جهتها الداعمة؟ أو الجهة التي لها عليها يد ضاغطة؟ أم سيكون لها استقلال تام ومطلق؟

يجيبنا مارك سودر، السياسي الجمهوري وعضو الكونغرس الأمريكي سابقا: “إذا أردت مراجعات أقران جيدة، إذا أردت أن تُنشر أبحاثك، إذا أردت الذهاب إلى مؤسسات محترمة، فإن وجهة النظر الرسمية لا تقبل الخلاف، هناك شعار يقول: هكذا تسير الأمور، وأي منشق عن الإجماع، يجب أن يُسحق”.(³)

وهذا ليس خاصا بنظرية التطور بالمناسبة، حتى الجهات المعارضة، كتلك التي تتبنى نظرية الخلق وتدافع عنها، معهد ديسكفري (Discovery institute) على سبيل المثال، هو منظمة أمريكية تتبنى نظرية التصميم الذكي (Intelligent design)، وتتلقى تمويلات من جهات مسيحية، وهي بدورها لن تنشر ما يتعارض مع توجه الجهات الخَلقية التي تدعمها، غير أن التطرف يكون واضحاً في مؤسسات دون أخرى.

وبلى، يحدث العكس، بحيث تُصرف مِنحٌ حكومية لجهات بحثية أو علمية دون فرض الوصاية عليها، بل وحتى لو كانت أبحاثها وتقريراتها مخالفة لتوجه الحكومة أو السلطة الداعمة، ولكن دوما ما توجد هناك حدود حمراء، لا يسمح بتجاوزها.

الضغوطات السياسية والتأثير المجتمعي ليس وليد اليوم، بل عليه شواهد من التاريخ، بدءاً (لا بداية) مع الكنيسة وفرض وصايتها أو ضغوطها على علماء القرون الوسيطة، مرورا بصعود النزعة العلموية مع القرنين السابع والثامن ومطلع التاسع عشر وفرض تسلطها على العلماء المتدينين، وصولاً إلى القرن العشرين والحكم بالإعدام على عالم الوراثة نيكولاي فافيلوف (Nikolai Vavilov) ليتم تخفيف الحكم وقتله جوعا سنة 1943 في مساجن الأعمال الشاقة، وإدانة طلابه على أيدي المحاكم السوفيتية، كل هذا لأنه يتبنى نظرية بيولوجية مخالفة للتوجه الليسينكوي (Lysenkoism) الذي كانت ترتضيه سياسة ستالين السوفيتية، ووصولا إلى عصرنا هذا الذي مازلنا نرى فيه أنواع القمع والضغط والتعسيف، والتحكم السياسي في نتائج وكشوفات علم الطبيعة، والمقصلة الشفافة التي تلاحق رقاب العلماء والباحثين.

ومجددا مع شهادة عالم الأحياء (التطوري) ريتشارد ليونتن: “القوى الاجتماعية والاقتصادية المهيمنة تتحكم إلى حد بعيد بما يفعله العلم، وبكيفيته.

علاوة على ذلك، تأخذ تلك القوى من العلم الأفكار التي تتناسب خصيصا مع استمرارية البُنى الاجتماعية التي ترعاها تلك القوى، وتجعلها مشروعةً وطبيعية. تلك العملية مزدوجة: فالعوامل الاجتماعية أولا تتحكم بما يفعله العلماء ويقولونه، ثم تستغل ما يفعله العلماء ويقولونه لتدعيم مؤسسات المجتمع، وهذا ما نقصده عندما نتحدث عن العلم حين يكون أيديولوجيا”.(⁴)

**المراجع

 (1)• Richard Lewontin, Biology as Ideology: The Doctrine of DNA (Ontario: House of Anansi Press, 1995, 2010), 8.

(2)• BBC, “Coronavirus: Trump moves to pull US out of World Health Organization,” BBC New, July 7, 2020,

https://www.bbc.com/news/world-us-canada-53327906 .

(3)• Expelled: No intelligence Allowed (youtube) last access aug 06, 2020.

ابتداء من الدقيقة 41:00

(4)• ريتشارد ليفونتين، البيولوجيا عندما تصبح أيديولوجيا: عقيدة الحمض النووي، ترجمة فهد عبد العزيز و أسامة خالد (الكويت: رواسخ، 2019) 20.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى