مقالات

الرجل والمرأة في الإسلام وتشريعاته

شكل ظهور الإسلام في الجزيرة العربية نقطة تحول غيرت التاريخ تغييراً جذرياً سيبقى إلى نهاية العالم، وتكمن قوة تلك التغيرات الواقعة في أنها لم تكن روحانية وحسب، بل دخلت إلى أغوار الأزمات المجتمعية التي عاشتها الجزيرة العربية على عمق ما عاشت من الانحدار والظلام.

وقد تجلت الحكمة الربانية في ظهور الإسلام في مجتمع الجزيرة العربية في الوقت الذي كان فيه الانهيار المجتمعي متجلياً باستعباد الضعفاء والفقراء وإذلال النساء بقتلهن أطفالا وسحق حقوقهن كسيدات، لتأتي دعوة الإسلام حاملة ميزان العدل ليجد النساء أنفسهن يعشن في حال مغاير لم يروا مثله من قبل، ومن تلك النقطة صار مجتمع الجزيرة العربية المغرق في الظلامية بعدما اكتسى بنور الإسلام أفضل نموذج يمكن أن يحمل في باطنه تشريعات نجدة المرأة من الظلم ومنحها حياة عادلة تستحقها وتحيا في ظلالها بأمان.

وبعد عدة قرون استطاع فيها الإسلام إثبات أنه المنهجية الأكثر أماناً وحماية وتكريماً للمرأة، وعلى الجانب الآخر من العالم كان ثمة عالم آخر يدين بأديان حملت في باطنها الكثير من التشوه والازدراء للمرأة ووجودها واعتبارها نجس يجب التطهر منه، لتخرج في مواجهة تلك المنهجيات المشوهة أيديولوجيات أكثر غرابة لمواجهة ذلك التشوه الديني لتحمل في طياتها الدعوة لانتزاع كل ما هو ديني من الحياة باعتباره متحيزاً للرجال ضد النساء، فهل كان الإسلام حقاً لا يساوي بين الرجال والنساء ويضع أحدهم في مرتبة أعلى من الآخر؟

أكذوبة الجندر

ظهر مصطلح الجندر في بدايات القرن الماضي وكان الغرض اللغوي والفلسفي منه كسر الحاجز البيولوجي الذي حدد الأدوار الطبيعية للرجل والمرأة، حيث كان الغرض منه القول بأنه الأدوار المجتمعية المقسمة بين الرجل والمرأة لا علاقة لها بجنسهم البيولوجي وأنه يمكن للمرأة أن تقوم بأعمال الرجال كافة ومقاسمتهم في تلك الوظائف.

استندت نظرية الجندر على مغالطة منطقية تحمل في ظاهرها المساواة لكن جوهرها مشوه وكاذب، فقد كان ظهور النظرية ممهداً للدفع بأعداد ضخمة من النساء إلى سوق العمل لدفع الحركة الاقتصادية في دول أوروبا والولايات المتحدة تزامنا مع اتساع الاعتماد على المؤسسات الصناعية والاقتصادية الكبرى.

فقد ارتفعت نسب النساء العاملات من 20% إلى أكثر من 59% (1) في بضعة عقود تحت مسمى حق النساء في المساواة في العمل، وبدأت الدراسات والأرقام والإحصاءات تتفاخر بمرور الوقت بزيادة نسب النساء العاملات في مختلف القطاعات ومساهمتهم الكبيرة في زيادة أرباح الشركات الكبرى.

واعتماداً على المنظور الاقتصادي المادي البحت، ومغالطاته المنطقية أصبح خروج المرأة لسوق العمل بحدته وقسوته حقاً يجب الحصول عليه، لمجرد أن يكون في ذلك مساواة مع الطرف الملزم بذلك في الأساس.

المنظور الإسلامي

“تنص المادة 1 من ميثاق حقوق المرأة الصادر عن الأمم المتحدة عام 1962 على أن الزواج لا ينعقد قانوناً إلا برضا الطرفين رضا كاملاً وبإعلان طرفي علاقة الزواج على موافقتهم وكذلك بحضور شهود لإتمام العملية قانوناً”.

قدم الإسلام منظومة منضبطة وعقلانية للتعامل مع الرجل والمرأة على حد سواء، لم تحمل في باطنها أو ظاهرها أي شكل من أشكال التمييز أو التفرقة، فعلى عكس ما تروج المنطلقات العلمانية والليبرالية فالحالة المنضبطة داخل الإسلام تعتمد في توازنها بالأساس على الموازنة بين الحقوق والواجبات والمسئوليات الناتجة عنها، فقوامة الرجل في الإسلام لا تعطيه أفضلية لمجرد الأفضلية، وإنما تحمل معها مسئوليات الرعاية والإنفاق والحماية وتجعل من قوامة الرجل بمثابة مهمة قيادية شديدة التعقيد والأهمية تتطلب من القائم عليها تحمل العديد من المسئوليات واستيفاء العديد من الواجبات.

في السياق نفسه يمكن النظر إلى الحالة المجتمعية التي تعيشها الكثير من المجتمعات العربية من المنظور الإسلامي الحنيف، فالرجال الممتنعون عن أداء واجباتهم الموكلة إليهم بموجب القوامة، يظهرون أمام الجميع بصورة المتهرب المعتمد على القوة المستمدة من الشرع ليظلم من هم في قوامته، لكن الحقيقة أن الشرع وبعيداً عن القصص المزعجة والروتينية للمحاكم والقوانين الوضعية جعل من إيفاء الحقوق أمراً واجب النفاذ وجعل من التهرب منه إثماً عظيماً يوقع صاحبه في خطر معصية أكبر ربما من تخيله.

على الناحية الأخرى فما يروج له من باب حرمان المرأة من العمل هو في الحقيقة بوابة أصيلة لتكريمها ومراعاة طبيعتها الجسدية التي خلقها الله لمهام تبرع فيها دون غيرها، فتكريم الإسلام للمرأة ووضعها موضع الزوجة والأم ليس تقليل من شأنها كما تروج المذاهب العلمانية، بل هو في الحقيقة وضعها موضع الرعاية والتفرغ لمسئولية أكبر قدراً وأعظم شأناً من السير داخل تروس الرأسمالية لتحقيق أرباح ضخمة لأصحاب الأعمال، ألا وهي تربية نشء على خلق ودين، والحفاظ على أسرة ثابتة البنيان.

وفي نفس الوقت وبالعودة إلى النصوص الدستورية التي تعلنها مواثيق حقوق المرأة مثل النص السالف ذكره بشأن الزواج على سبيل المثال، فهو في الحقيقة لا يختلف كثيراً عن النصوص الشرعية التي وضعها الإسلام لحماية حق النساء في اختيار الزوج الذي تقبله نفسها وتطمئن له، بل إن الواقع يخبرنا أن الإسلام سبق بنصوصه كافة المواثيق الدستورية حديثة العهد والتي لم تخرج إلا من مجتمعات كانت ولازالت تتعامل مع المرأة باعتبارها سلعة مستخدمة.

ذكورية ونسوية

لم يكن الإسلام منذ ظهوره وحتى اليوم بحاجة لأي مذاهب فكرية كالذكورية والنسوية لضبط حقوق المنتمين إليه، فالذكورية بما تحمله من أفكار مشوهة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بما بتشريعات الإسلام وقوانينه الحاكمة لأفعال الرجال وتصرفاتهم مع النساء أو مع المجتمع بوجه عام، فمنهج الذكورية يمنح الممارسين له أفكار مرضية مؤذية تحول صاحبها من إنسان سوي إلى ماكينة توحش وسيطرة يمكنها أن تحيل حياة صاحبها إلى جحيم، فيما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برواية ابن مسعود “ألا أخبركم بمن يحرم على النار ومن تحرم عليه النار؟ كل هين لين قريب سهل”.

وعلى الجانب الآخر فمنهج النسوية بتنويعاته الليبرالية والراديكالية وغيرها لم تكن في يوم من الأيام جزءاً من الإسلام ولم تكن منهجية الإسلام بحاجة لمنهج مثله، فمنهجية الحقوق التي وفرها الإسلام للنساء يستحيل أن يوفرها منهج آخر للنساء، من حيث العقلانية والحماية والتناسق مع الطبيعة النفسية والجسدية للنساء، واحترام عقولهن وخصوصياتهن.

يروي المؤرخ يوسف رابوبورت في كتابه المال والزواج والطلاق في الإسلام في العصور الوسطى والذي ترجمه الأستاذ أحمد العدوي، أنه ومن واقع الوثائق التي حصل عليها من الأرشيفات التاريخية من العصور المملوكية والعباسية أن صداق الزوجة على سبيل المثال أو ما يعرف في عصرنا الحالي بالمؤخر كان يعتبر ديناً واجب السداد على الزوج حتى لو توفت الزوجة وحتى لو طال الأمد بالزوج فتأخر في دفعه بعد مرور عقود على زواجهم، حتى أن الأزواج كانوا ملزمين بدفع ذلك المبلغ لورثة الزوجة بعد وفاتها في حال بقاءه حياً بعد وفاتها.

تقودنا تلك الحقيقة إلى أن الشرع لم يكن ليعطي الرجل أفضلية على المرأة في علاقة تقوم بالأساس على الود والمحبة، لكنها تضع الحقوق الشرعية في مناص الاعتبار حفظاً للمرأة وحماية لها، وهي حادثة تاريخية تنسف بالكلية ادعاءات التحيز نحو الذكورية والنسوية في الشرع الإسلامي.

في السياق نفسه يشير الكتاب إلى أن أنظمة الحكم الإسلامية كانت تفتح دور سكن وإقامة للنساء المطلقات اللواتي لا مأوى ولا عائل لهن، فقد كان بإمكان من تنفصل عن زوجها أن تسكن في تلك المنازل التي تشرف عليها النساء للحصول على السكن والطعام والحماية دون أن يتركن عرضة لانتهاكات المجتمع أو اعتداءاته.

في النهاية تتجلى حكمة الدين الإسلامي في أنها لم تفتح الباب لتكون أي منهجيات فكرية داخلية كالذكورية والنسوية لفتح حرب بين الجنسين يسعى فيها كل طرف للانتصار، وإنما جعل الأمر مقتصراً على الشرع الحنيف، الذي وضع لكل طرف داخله حدوداً وحقوقاً وواجبات، يجعل الحياة عند الالتزام بها أكثر محبة وهدوءاً.

المصادر 

(1)https://www.brookings.edu/essay/the-history-of-womens-work-and-wages-and-how-it-has-created-success-for-us-all/

(2)https://www.kiplinger.com/personal-finance/603298/women-who-make-more-than-their-husbands-should-watch-out#:~:text=Marriages%20of%20female%20breadwinners%20are,a%20University%20of%20Chicago%20study.&text=Many%20relationships%20that%20do%20not,provider%20do%20not%20fare%20well.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى