مقالات

الولاء و البراء عقيدة المتطرفين أم الإسلام أم الإنسان؟

-كلمة “الولاء والبراء” تستدعي في وعي أكثر الناس صورا وأفكارا تتعلق بالتطرف والمتطرفين

لكنها لم تستقر في ركن التطرف من ساحة وعي بسبب أدلة برهانية عقلية أو شرعية وضعتها هناك، بل غالبا دفعها إلى هناك جرعات إعلامية مكثفة لا تستعمل هذه الكلمة إلا في هذا السياق

ومن أهم أسباب تنقيح العقل وتجويده هو إخراج مثل هذه الأفكار “التكرارية” من مأمنها، وإعادتها إلى حيز التساؤل

هل فعلا الولاء والبراء عقيدة متطرفة، أم لها أصل في الإسلام؟ أم أن لها أصولها في تكوين الإنسان؟

لكن من المناسب تقديم التصور وفهم المفردات، ثم نتناول ما يتعلق بها من أسئلة

1-معنى الولاء والبراء:

للولاء عدة معان في الشرع بحسب سياق الحديث وبابه، لكن مقصودنا في المقال، هو أقرب هذه المعاني لمعناه في اللغة، فالوَلْي في اللغة، هو القرب، ومعاني الولي، تتفرع من هذا المعنى، مركزها وجذورها في القرب القلبي الشعوري، الذي يشتمل على اتصال النفوس وتآلفها، بلا فاصل بينها، ثم يتفرع عنه ما يترتب على القرب القلبي من معان النصرة والإحسان[1]

أما البراء فهو عكسه، يدور حول معنى التخلص والبعد، كما يقال: برئت من الدَّيْن أو العيب أو المرض، فالمقصود به هنا، هي المباعدة القلبية، وما يستتبع ذلك من أفعال، من لوازم هذه المباعدة.

2-الولاء والبراء في الإسلام:

فمحل بحثنا هنا، هو الولاء والبراء بناء على رابطة الإسلام، بأن يضبط المسلم مؤشر وميزان التقارب والمحبة والتولي القلبي، وبذل التناصر والتكافل، بالنظر إلى رصيد الآخرين من تحقيق الاستقامة الدينية، بمقدار ما يكون في الشخص من إيمان وخير بمقدار ما يستحق من موالاة وحب ومناصرة وإحسان، وتقل الموالاة بضعف الإيمان والاستقامة، حتى نصل إلى نقطة (الصفر الإيماني) وهي الكفر بالإسلام، فتنقلب الموالاة إلى تبرأ وتباعد، بقدر ما يكون في الآخر من الكفر

وهنا أوان الجواب على السؤال: هل هذا الخلق، أنتجه المتشددون، أم هو إسلامي أصيل؟

الحقيقة لو أردنا أن نرتب القضايا القرآنية بحسب وضوحها، فلا شك أننا سنضع هذا الخلق في المنازل العليا، لشدة وضوحه وكثرة تكراره في النصوص القرآنية والنبوية، حتى إنها لما كانت قضية مركزية في سورة الممتحنة، كان أحد أسمائها سورة “المودة”، والتي جاء في صدرها النهي عن تولي الكافرين ومودتهم، ثم أبرز القرآن –كعادته- مثالا حيا لهذا الخلق، وهو إبراهيم عليه السلام، الذي تنكر لكل الروابط السابقة، مثل رابطة القرابة والصداقة، حين وجد قومه تنكروا لعقيدة التوحيد، فتبرأ منهم { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}

وجعل الغاية التي تنتهي عندها هذه المباعدة هي الإيمان بالله تعالى وحده

ويكفي هنا للاختصار قطعة من، كلام ابن تيمية استنبط فيها من نصوص القرآن أن هذه القضية من لوازم الإيمان، لا يكتمل الإيمان إلا يتحققها، يقول ابن تيمية:

“من أحوال القلب وأعماله ما يكون من لوازم الإيمان الثابتة فيه بحيث إذا كان الإنسان مؤمنا؛ لزم ذلك بغير قصد منه ولا تعمد له وإذا لم يوجد؛ دل على أن الإيمان الواجب لم يحصل في القلب، وهذا كقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه}  فأخبر أنك لا تجد مؤمنا يواد المحادين لله ورسوله، فإن نفس الإيمان ينافي موادته كما ينفي أحد الضدين الآخر، فإذا وجد الإيمان انتفى ضده، وهو موالاة أعداء الله؛ فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه؛ كان ذلك دليلا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب. ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون} {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون}  فذكر ” جملة شرطية ” تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف ” لو ” التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء}  فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء؛ ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه”[2]

-وهذا المعنى الذي استنبطه ابن تيمية قد صرحت به نصوص نبوية متعددة

منها ما أخرجه الإمام أحمد “لا يحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله،”

وفيه عن البراء مرفوعا: ” أوثق عرى الإيمان: أن تحب في الله وتبغض في الله “

وعند أبي داود وغيره “من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان”

وعنده أيضا «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي»

-فهذا المعنى المذكور في هذه النصوص، وهو ربط التوجهات القلبية، بالموقف الإيماني، هو بعينه ما تقدم شرحه في مفهوم الولاء والبراء

وهذه القاعدة القرآنية الكلية، تفرعت عنها كثير من الأحكام، التي توزعت في كثير من أبواب الفقه

بداية من المباعدة الظاهرية الشكلية بنهي الشرع عن التشبه بالكفار في عوائدهم وملابسهم، والنهي عن مناكحة المشركين والمشركات (باستثناء الكتابيات[3]) وقطع التوارث بين المسلم والكافر.

واستنبط الفقهاء من ذلك أن المطلوب شرعا قطع أسباب المودة بين المسلم والكافر، فنصوا على ذلك على اختلاف العبارات، فيقول الهيتمي الشافعي في أحكام أهل الذمة: وتحرم موادته، أي: الميل إليه.اه

ويقول الشربيني الشافعي: تحرم مَوَدَّة الْكَافِر، لقَوْله تَعَالَى {لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله}.اه

ويقول الحجاوي مع شارحه البهوتي الحنبليان في أحكام أهل الذمة: (و) يكره (التعرض لما يوجب المودة بينهما) لعموم قوله تعالى {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله}.اهـ

ومثل هذا كثير في كلام فقهاء المسلمين وفروعهم

-وعلى سبيل الإجمال، لا يتعارض هذا مع الأمر بحسن معاملة أهل الذمة ونحوهم، والعدل معهم، وإجازة بعض الفقهاء تهنئتهم بالأعياد غير الدينية وتعزيتهم ونحو هذا، لأن هذه الأحكام، لها منزع ومورد آخر غير طلب المودة والموالاة، منها الأمر بالعدل والإحسان مع كل أحد، ومنها: الترغيب في الإسلام، ونحو ذلك من مقاصد الشرع الأخرى، وليس منها المودة والموالاة، ومن الأفضل أن نفرد  هذا الاعتراض بمقال آخر

-فتحصل من هذا أنه بتجريد النظر في نصوص الوحي، وكلام فقهاء المسلمين، سنجد قضية الموالاة والمعاداة الدينية، من القضايا المركزية شديدة الوضوح، بل هي من لوازم الإيمان ومكملاته

3-الولاء والبراء في الإنسان:

من يتأمل منظومة الأخلاق الإسلامية، لابد أن يلاحظ أن الكثير منها إنما هو تثبيت وتأييد لما يمكن تسميته “الغرائز الأخلاقية ” أو “النزعة الفطرية الأخلاقية”، كما أشار النص القرآني {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}، والنص النبوي (إنما بعثت لأتم مكارم الأخلاق)، فأكثر الأخلاق الإسلامية، هي خصال تنزع إليها الفطرة السوية، ثم جاءت الشريعة السماوية لتثبيتها وضبطها حتى لا تعدو قدرها، حتى لا تتحول الشجاعة إلى تهور، والحياء إلى جبن مثلا

فهل هذا الخلق (الولاء والبراء) هو من هذا القبيل، أصيل في تركيب الإنسان، أم هو شريعة إسلامية خاصة؟

ولأن الجواب هو أنه مكون إنساني أصيل، فلابد للبرهنة عليه من تقديم مقدمتين:

الأولى: أن للإنسان مشاعر فطرية لا يمكن أن يخلو أحد منها، مثل الفرح والحزن، والسرور والغضب، والخوف والرجاء، وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر)

فالغضب والرضا مشاعر إنسانية لا يخلو منها بشر، حتى لو كان نبيا

ولذا لما قال النبي “لا تغضب”، لم يفهم علماء المسلمين منه النهي عن نفس الشعور الإنساني، بل –كما قال الخطابي-: معنى قوله “لا تغضب” اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه.اهـ

وعليه فإن الحب والبغض، والموالاة والمعاداة، مشاعر إنسانية أصيلة في تكوين الإنسان، لا يخلو أحد منها، فكل إنسان يحب ويكره، يوالي ويعادي، فليس هناك تفاوت بين الناس في أصل هذه المشاعر

وإنما يتفاوت الناس في معيار توجيه هذه المشاعر، فأكثر الناس يحب من يحسن إليه، ويعادي ويكره من يسيء إليه أويظلمه

الثانية: أن وعي الإنسان بذاته وتعريفه بنفسه، لا ينحصر في اسمه أو اسم عائلته، بل وعي الإنسان بذاته له مكونات كثيرة تختلف باختلاف الأزمان والأحوال، حتى دخل فيها في هذا العصر، الوظيفة، والنادي الكروي الذي يشجعه

وعلى حسب تعبير صمويل منتنجتون “تمثل الحضارات الأنا الكبرى التي نشعر داخلها كأننا في بيتنا ثقافيا”

فلا يمكن للإنسان أن يكتمل وعيه بنفسه إلا بذات ثقافية أو حضارية ينتمي إليها، وينظر إلى نفسه داخلها، وهذا مايدعو أي منظر قومي وطني إلى البحث عن ماض مشترك للوطن ضارب في جذور التاريخ، ولو كان –أو غالبا ما يكون – مختلقا زائفا

-فخلاصة هذه المقدمة، أن وعي الإنسان بنفسه وتعريفه لها، له مكونات أهمها هو المكون الحضاري

وينبني على هاتين المقدمتين، أن مشاعر الموالاة والمعادة، يترتب جزء منها بناء على أعداء الذات الإنسانية بكل تركيبها، لذا فقد يعتبر أعداء فريقه الذي يشجعه، هم أعداؤه الشخصيون، أو يعتبر الطبيب من يسيء إلى مهنة الطب عدوا شخصيا له، وأهم من ذلك كله، أن من يعادي ذاته الثقافية فإنه يعاديه، مثل من يعادي وطنه أو حضارته

-وهنا يأتي الإسلام ليضبط هذه المشاعر الإنسانية، ويحسن توجيهها، فليس شيء مما تقدم يستحق أن يكون ميزان هذه المشاعر الإنسانية باستثاء الدين الصحيح والإله الحق والخلق الحميد، بقدر تحقق الإنسان بهذه المعاني، بقدر ما يستحق من هذه المشاعر

فالولاء والبراء في الإسلام ليس خلقا مخترعا، بل هو ترشيد وتجويد لمشاعر إنسانية أصيلة ستوجد ولابد، لكن الإسلام –كعادته- يضبط أمرها ويسدد توجيهها

يقول صاحب الظلال رحمه الله: وعشت في ظلال القرآن أرى الإنسان أكرم بكثير من كل تقدير عرفته البشرية للإنسان … إنه إنسان بنفخة من روح الله { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}… ولأن الإنسان بهذا القدر من الكرامة والسمو، جعل الله الآصرة التي يتجمع عليها البشر هي الآصرة المستمدة من النفخة الإلهية الكريمة، جعلها آصرة العقيدة في الله … فعقيدة المؤمن هي وطنه، وهي قومه وهي أهله، ومن ثم يتجمع البسر عليها وحدها.اهـ

فعقيدة الولاء والبراء في الإسلام لا تخترع شيئا، إنما ترتب للإنسان مكونات وعيه الذاتي وبنود تعريفه لنفسه، فتضع الدين الحق والخلق الحميد على رأسها، هو ذروة الوعي الإنساني، وكفة ميزان المشاعر الإنسانية، لا شيء غيره يستحق أن يكون كذلك

[1] -راجع بصائر أولي التمييز في لطائف الكتاب العزير حول الولاء (5/281)

[2] -مجموع الفتاوى (7/16)

[3] -وأفضل ما يقال في حكمة هذا الاستثناء، هو ما ذكره الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع، قال: الأصل أن لا يجوز للمسلم أن ينكح الكافرة؛ لأن ازدواج الكافرة والمخالطة معها مع قيام العداوة الدينية لا يحصل السكن والمودة الذي هو قوام مقاصد النكاح، إلا أنه جوز نكاح الكتابية؛ لرجاء إسلامها؛ لأنها آمنت بكتب الأنبياء والرسل في الجملة، وإنما نقضت الجملة بالتفصيل بناء على أنها أخبرت عن الأمر على خلاف حقيقته، فالظاهر أنها متى نبهت على حقيقة الأمر تنبهت، وتأتي بالإيمان على التفصيل … فكان في نكاح المسلم إياها رجاء إسلامها فجوز نكاحها لهذه العاقبة الحميدة. اه باختصار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى