مقالات

انقطاع أسانيد كُتُب أهل الكتاب

أغلب المؤلَّفات المسيحية المُدافعة عن وحي وعصمة الكتاب المُقدَّس، لا تتكلَّم أصلاً عن أسانيد الكُتُب المُقدَّسة، لإثبات مصداقية وموثوقية الكُتُب المُقدَّسة. لا نجد الكلام عن الإسناد إلَّا في كُتُب المسيحيين العرب الذي تأثَّروا بالثَّقافة الإسلامية المُرتبطة بشدَّة بالأسانيد. ولكن عند الاطِّلاع على طبيعة الأدِلَّة التي يُحاولون من خلالها إثبات صِحَّة نسبة الكُتُب المُقدَّسة للأنبياء، نجد أنَّهم في الحقيقة لا يفهمون معنى “السَّند الصَّحيح“، أو كيفية إثبات صِحَّة الإسناد.

القِسّ (منيس عبد النور)، صاحب الكتاب الدِّفاعي المشهور (شُبُهات وهمية حول الكتاب المُقدَّس)، تكلَّم في مُقدِّمته العامَّة عن: «السَّند المُتَّصِل للكتاب المُقدَّس»، وقال: «وَصَلَت أسفار الكتاب المُقدَّس إلينا بِسَنَدٍ مُتَّصِل، وتَوَاتُر قَوِيّ، وإليك الأدِلَّة».

فهو لا يدَّعي فقط اتِّصال السَّند، إنَّما “التَّواتر القوي”!

ثمَّ قام بعرض الشُّبهة كالآتي: «لا يوجد سَنَدٌ مُتَّصِل لِكِتَابٍ مِن كُتُبِ العهد القديم أو الجديد. ولابُدَّ قبل قبول أيّ كتاب سَمَاويّ، أن نُثْبِت أوَّلاً، بالدَّليل القاطع، أنَّ هذا الكتاب كُتِبَ بواسطة النَّبي الفُلاني، وَوَصَلَ إلينا بالسَّند المُتَّصِل، بلا تغيير ولا تبديل. أمَّا الظَّنّ والوَهْم فلا يَكْفِيَان لإثبات أنَّه من كتابة ذلك النَّبيّ».

ونحن نتَّفق تماماً مع هذا الاعتراض الدَّقيق!

وجاء رَدّ القِسّ كالآتي: «أوحى الله بالتَّوراة لكليمه موسى، وخصَّص سبط لاوي من الاثني عشر سبطاً للمحافظة عليها وإقامة سُننها وفرائضها وأحكامها، واختصَّ هذا السبط بامتيازات خصوصية ليتفرَّغ للعبادة. وأقام بنو إسرائيل الفرائض والأحكام المدوّنة في شريعتهم، وتعبَّدوا بقراءتها في أيام مواسمهم وأعيادهم كل سنة، ونفذوا أحكامها في الأمراض والعاهات، وما يجوز من الزواج وما لا يجوز، إلى يومنا هذا، وتسلَّمها الخَلَف من السَّلَف. وهذه أدلة قوية على حفظهم إياها، وعلى السَّنَد المُتَّصِل أن هذه الكتب أُوحي بها لأولئك الأنبياء المنسوبة إليهم، وأنهم عملوا المعجزات الباهرة لتأييد دعواهم».([1])

من خلال رد القِسّ، نُدرك تماماً كمُسلمين، أنَّ القِسّ لم يفهم أبداً معنى الاعتراض، أو المقصود بـ “اتِّصال السَّند”، أو “الدَّليل القاطع”، ناهيك عن ادِّعاء وُجُود “تواتر قوي”. وهذا أمر غريب جداً، وعجيب.

بعد هذه الفقرة الطويلة التي ساقها القِسّ، ما زال باستطاعتنا أن نسأل هذا السُّؤال الجوهري: أين السَّند المُتَّصِل؟ من المُفترض أن يذكر لنا القِسّ، سلسلة من الرِّجال، بدايةً من موسى عليه السلام، الذي سلَّم بني إسرائيل التَّوراة، وُصُولاً إلى رؤساء الكهنة وشُيُوخ بني إسرائيل، الذين حافظوا عليها، وأقاموا سننها، جيلاً بعد جيل، خَلَف عن سَلَف. طبعاً مع المعلومات التَّاريخية الكافية التي تجعلنا نطمئن بأنَّ هذا السَّند حقيقي وواقعي، وأنَّهم يعرفون بالفعل كل شخص في هذه السِّلسلة، وأنه كان مُعاصراً لِمَن تسلَّم منه، ولِمَن سلَّم له، ولكن هذا ما لا يملكه أهل الكتاب، فهُم لا يعرفون مُجرَّد الأسماء، فكيف بالتَّفاصيل التَّاريخية الأخرى.

في الحقيقة المُشكلة أكبر وأعمق وأخطر بكثير. فالغالبية العُظمى من عامَّة أهل الكتاب يعتقدون أنَّ الأسفار الخمسة الموجودة في بداية الكتاب المُقدَّس، هُم: توراة موسى عليه السَّلام. ولكنَّ الدِّراسات التَّاريخية الحديثة تُثبت أنَّ هذه الأسفار الخمسة تَمَّ تدوينها بعد زَمَن موسى عليه السَّلام بِقُرُون، ولا نعلم على وجه التَّحديد، الأشخاص الذين قاموا بتدوين هذه الأسفار.

هذا في رأيي، أقصى ما يُمكن أن يعنيه: انقطاع السَّند!

كيف عَرِفَ العُلماء أنَّ هذه الأسفار الخمسة لم يكبتها موسى عليه السلام؟

الأب (جورج سابا)، في كتابه (على عتبة الكتاب المُقدَّس)، يقول الآتي:

«إذا ما تصفَّحنا هذا العهد (القديم) بِدِقَّة، تبيَّن لنا مُنذ أولَى صفحاته؛ ما يتخلَّل أسفاره الخمسة الأولى: التكوين، الخُرُوج، العَدَد، الأحبار (اللاويين)، تثنية الاشتراع (التثنية)، من اختلاف في الأسلوب والفن الكتابي، وازدواج في الروايات، وتكرار غير مُتناسق بها

وهذه هي النَّتيجة: «وقد أدَّى الدَّرس بالباحثين في القرن الماضي، وفي هذا القرن، إلى أنْ يرتأُوا أنَّ للأسفار الخمسة، مع كون موسى محورها ومركزها، أربعة مصادر أساسية أو تقاليد

ثمَّ تكلَّم عن هذه المصادر أو التَّقاليد وتاريخها:

«التقليد اليهويّ (Y) Yahwist، نسبة الى يهوه، الاسم الذي به يُدعى الله. وُضِعَ في أواخر القرن العاشر (ق.م) أيام سليمان.

التقليد الألوهيّ (E) Elohist، نسبة إلى إلوهيم، وهو الاسم الذي به يدعى الله. وُضِعَ في مملكة الشمال بعد انقسام المملكة، بين سنة 800 و750 (ق.م).

وعندما افتتح الأشوريون السامرة 721 (ق.م)، جاءت الجماعة المؤمنة التي بقيت في السامرة وحلَّت بالقدس، فقُرِن كل من التقليدين بالآخر، أيام حزقيا الملك، نحو سنة 700 (ق.م).

تقليد تثنية الاشتراع (D) Deuterenomist، هو مُلحق للتقليد الألوهيّ. وُضِعَ في مملكة الشمال قبل خراب السامرة. أو قد يكون بعض القادمين من الشمال وضعوه في مملكة الجنوب.

التقليد الكهنوتيّ (P) priestly، وَضَعَهُ في الجلاء، وبعد الجلاء، كهنة القدس الذين جعلوا الأسفار المقدسة في صورتها الحالية

ثمَّ يصِل إلى هذه النَّتيجة: «الأسفار الخمسة الحالية إذاً، هي نِتاج تاريخ طويل، حتى أنَّه يُمكن القول إن نشأتها تُرافق جزءً كبيراً من تاريخ شعب العهد القديم، وإنَّها لم تبلغ مرحلتها الأخيرة إلَّا بعد الجلاء من بابل، بفضل الكاهن والكاتب عزرا، الذي ترتقي إليه نصوص الشرائع التي تُنظِّم الحياة الليتورجية في الهيكل الثاني.»([2])

وفي مرجع دراسي آخر هام جداً، جاء الآتي:

«ظَلَّ الاعتقاد على مَدَى قُرُون أنَّ موسى هو الذي كَتَب الأسفار الخمسة، وكثيراً ما كان يُشار إليها باسم “أسفار موسى الخمسة”. غير أنَّ العُلماء يعتقدون الآن أنَّ الأسفار الخمسة لم يَتِمّ كتابتها إلَّا بعد زَمَن موسى بفترة طويلة، وأنَّها عمل العديد من الكتبة

ثمَّ بعد ذلك بقليل، جاء الآتي: «التوراة، الأسفار الخمسة الأولى، لم يكتبها كما كان يَظُنّ النَّاسُ لزَمَن مديد، موسى، أو أي فرد آخر، بل بالحري إنَّها مزيج من أربعة مصادر على الأرجح، تُسمَّى بالحروف: “ي”، “إ”، “ك”، “ت”.»([3])

لا أريد أن أطيل كثيراً في ذكر المراجع التي تُقرِّر هذه المعلومات، لكن يجب التَّأكيد على أنَّ هذه المعلومات جاءت من خلال دراسة نَصّ الأسفار الخمسة المنسوبة لموسى عليه السَّلام، وكذلك من خلال دراسة تاريخ بني إسرائيل.

أيضاً من صُوَر الانقطاع الرَّهيبة التي أريد أن أُسَلِّط عليها القليل من الضَّوء:

أولاً: بعض الأسفار ليست منسوبة لشخص مُعيَّن!

على سبيل المثال:

سفر القُضاة: «لسنا نعلم من هو كاتب السِّفر.»([4])

سفر الملوك الأول والثاني: «يُحتمل أن يكون السِّفر قد كُتِبَ بواسطة نبي، أو عدد من الأنبياء كانوا يكتبون أثناء السَّبي حوالي سنة 550 ق.م.»([5])

سفر أخبار الأيام الأول والثاني: «ليس لسفر أخبار الأيام كاتب مُعيَّن، بل مُجمَّع.»([6])

ثانياً: عَدَم معرفة أهل الكتاب لبعض الأسماء التي تُنسب إليها الأسفار!

على سبيل المثال:

سفر أيوب: «من هو أيُّوب؟ نحن لا نعرف عن أيُّوب أكثر ممّا هو مكتوب عنه في بداية السِّفر.»([7])

سفر يوئيل: «لا نعلم شيئاً عن يوئيل النَّبي أكثر من الوصف المُختصر الذي يُعطينا إياه عن نفسه في (1:1).»([8])

سفر حبقوق: «النَّبي المجهول: نحن لا نعرف أي شيء عن حبقوق، ولا عن زمن كرازته، فيما عدا إشارة واحدة مُختصرة.» ([9])

سفر ملاخي: «من هو ملاخي؟ … فليس لدينا أي معلومات عن النَّبي.»([10])

لا أعرف كيف يستطيع أي شخص، أن يدَّعي اتِّصال السَّند أو التَّواتر بعد كل هذا.

هذه لمحة بسيطة عن أسفار العهد القديم، فماذا عن العهد الجديد؟

الأمر لا يختلف كثيراً، فكما أنَّ أهم أسفار العهد القديم: أسفار موسى الخمسة (التوراة)، مجهولة الكاتب، ولم يكتبها موسى عليه السلام، كذلك نجد أنَّ أهم أسفار العهد الجديد: الأناجيل الأربعة، المنسوبة لـ متى ومرقس ولوقا ويوحنا، هي أيضاً مجهولة الكاتب، ولا يصِحّ نسبتها لهذه الأسماء.

حتى لا أطيل في النَّقل من المراجع، سأكتفي ببعض المقاطع المُميَّزة من مراجع هامَّة، ولكن قبل ذلك يجب التأكيد على إشكالية خطيرة جداً تُواجِه أسفار أهل الكتاب المُقدَّسة، سواء في العهد القديم أو الجديد.

فيما يخُصّ نسبة الأسفار لأشخاص مُعيَّنة، يُمكننا تقسيم أسفار الكتاب المُقدَّس إلى قسمين.

القِسْم الأول: أسفار لا تَذْكُر اسم كاتبها، وليست منسوبة لأحد.

مثل: سفر التكوين، فالسِّفر لا يذكر أبداً أنَّ كاتبه هو موسى عليه السَّلام.

القِسْم الثاني: أسفار منسوبة لشخص مُعيَّن، سواء في النَّص نفسه، أو في العُنوان.

مثل: أسفار الأنبياء، الأناجيل الأربعة، رسائل بولس.

بخُصُوص القِسْم الأول، فالوضع سيء جداً، فلا يوجد حتى مُجرَّد ادِّعاء النِّسبة، سواء في النَّصّ نفسه، أو العُنوان، مع الأخذ في الاعتبار أن مُجرَّد الادِّعاء يحتاج إلى الدَّليل الذي يؤكِّد صِحَّة النِّسبة، وهو اتِّصال السَّند.

أمَّا بخُصُوص القِسْم الثاني، فأحياناً نجد أنَّ هذه النِّسبة مذكورة في نصّ السِّفر نفسه، مثلما نجد في 13 رسالة تدَّعي أنَّ كاتبها هو بولس رسول المسيحية. وأحياناً نجد أنَّ هذه النِّسبة غير موجودة في النَّص نفسه، وإنَّما في عُنوان السِّفر، المُضاف للسِّفر. مثل الأناجيل الأربعة، فكل إنجيل من الأربعة لا يذكر اسم الشخص الذي قام بتدوينه أو كتابته، ومع ذلك نجد عناوين الأناجيل: إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وهكذا.

بخُصُوص عناوين الأناجيل، الدكتور القِسّ (موريس تواضروس)، في كتابه (المدخل إلى العهد الجديد)، يقول الآتي: «ترجع هذه العناوين إلى عَهْدِ قَدِيمٍ، وإن كان يبدو أنَّ هذه التَّسمية قد وضعها النُّسَّاخ، ولم تكن كذلك مُنذ البداية([11])

وفي مرجع مُتخصِّص في دراسة الأناجيل، نجد الآتي: «في الفترة ما بين 90م – 150م، بالرَّغم من أنَّ الأناجيل كانت على الأغلب مكتوبة في ذلك الوقت، إلَّا إنَّ أسماء الكُتَّاب لم تكن معروفة، أو تمَّ اعتبارها غير مُهمة … لا توجد إشارة لوجود تقليد مُستمر ينسب الأناجيل إلى متى ومرقس ولوقا

عبارة: «لا توجد إشارة لوُجُود تقليد مُستمر»، يعني عدم وُجُود سَنَد مُتَّصِل!

وبعد ذلك بقليل نجد هذه النَّتيجة الخطيرة: «عندما نسترجع الجَدَل الدَّائر حَوْل كُتَّاب الأناجيل بناءً على الأدِلَّة الخارجية (آراء كُتَّاب القرن الثاني)، فإنَّنا نجد أنَّ المؤلِّف المجهول، والتداول المجهول هي الحقيقة الأكثر رواجاً، وعلى هذا فإنَّ حُكمنا هو أنَّ الأناجيل حقاً مجهولة المؤلِّف، وأن أسماء الكُتَّاب لم تكن معروفة خارج دائرة معارفهم المُباشرين.»([12])

أمَّا بخُصُوص الأسفار التي تَدَّعي نسبتها لشخصٍ ما في النَّص نفسه، فإنَّنا نحتاج إلى الدَّليل الذي يُثبت صِحَّة هذه النِّسبة فعلاً. وفي كثيرٍ من الأحيان نجد أنَّ هذه النِّسبة مُزوَّرة، وأنَّ الكاتب في الحقيقة مجهول، ولكنَّه يدَّعي أنَّه شخص آخر مشهور، حتى يُعطي لكتابه مصداقية وموثوقية.

هذا بالضَّبط ما يؤكده لنا العالِم الكاثوليكي (رايموند براون)، فيقول بخصوص الرسائل المنسوبة إلى بولس: «ليس هُناك دليل واضح على أنَّ رسالة بولس إلى العبرانيين قد كتبها القدِّيس بولس … تحديد بولس ككاتب للرِّسالة يأتي حتى في وقتٍ لاحق.

ثلاثة عشر من كتابات العهد الجديد هي الرَّسائل التي تحمل اسم بولس. من بين الرَّسائل الثلاثة عشر تلك، ينسب العُلماء -بأغلبية ساحقة- سبعةً منها لتأليف بولس (تسالونيكي الأولى، غلاطية، كورينثوس الأولى والثانية، فيلبي، فيلمون، روما).

90% من الدِّراسات النَّقدية تعتقد أنَّ بولس نفسه لم يُحرِّر الرَّسائل الرَّعوية (تيموثاوس الأولى والثانية وتيطس)، ورُبَّما يتَّفِق 80% على أنَّه لم يكتب أفسس، ورُبَّما يَتَّفِق 60% على أنَّه لم يكتب كولوسي، ويَتَّفِق ما يزيد قليلاً عن النِّصف أنَّه لم يكتب تسالونيكي الثانية

أمَّا بخصوص الرَّسائل الأخرى فيقول: «عن الرَّسائل الثلاث ليوحنا. لا توجد أي إشارة أيًّا كانت ليوحنا في نص تلك الرسائل. هذا هو تخمين نابع من القرن الثاني، وليس من العهد الجديد.

وبالمثل فيما يتعلق بالرسائل الجامعة / الكاثوليكون، رُبَّما يَتَّفِق 95% على أنَّ بطرس لم يُحرِّر رسالة بطرس الثانية، ورُبَّما يَتَّفِق 75% على أنَّ يهوذا لم يُحرِّر رسالة يهوذا، أو أنَّ يعقوب لم يُحرِّر رسالة يعقوب. وسيكون الأمر مُتعلِّقاً بقرار الاختيار فيما بين الباحثين إذا ما كان بطرس له يَدّ في رسالة بطرس الأولى

ثمَّ يطرح هذا السؤال الهام جداً: «ألا يَضْمِن الوحي أنَّه عندما تَحْمِل رسالة اسم بولس أو بطرس، فإنَّ ذلك يُحدِّد كاتبها؟»، فيُجِيب بكُلّ حَسْم وقُوَّة قائلاً: «قطعاً لا، كما لن يُغيِّر حقيقة أنَّ موسى الذي يُقال إنَّه كتب (أسفار الشريعة الخمسة) يضمن أن موسى كتبها. فهُناك اتِّفاق على إسناد أعمال لسُلطة عظيمة هو أمرٌ ملائم.»([13])

الخُلاصة هي أنَّ أغلب أسفار الكتاب المُقدَّس مجهول الكاتب، وقد تمَّ إسناد هذه الكتابات لسُلطة عظيمة حتى يُصبح لها مصداقية، ورُبَّما لا نعلم من كَتَبة أسفار الكتاب المُقدَّس إلَّا بولس، الذي لم يكتب في الحقيقة إلَّا سبع رسائل فقط من أصل ثلاثة عشر. وهكذا نجد أنَّ الكثير من المراجع الكتابية التي تُعرِّف الكتاب المُقدَّس تعترف بمجهولية الكتبة.

على سبيل المثال:

نجد في (مدخل الكتاب المقدس)، في الترجمة (الرَّهبَانِيَّة اليَسُوعِيَّة)، الآتي: «أسفار الكتاب المُقدَّس هي عَمَل مؤلِّفين ومُحرِّرين عُرِفُوا بأنَّهم لِسَان حال الله في وَسَط شعبهم. ظلّ عدد كبير منهم مجهولاً، لكنَّهم على كل حال، لم يكونوا مُنفردين، لأنَّ الشعب كان يُساندهم.»([14])

والأب (جورج سابا) في تعريفه للكتاب المُقدَّس يقول الآتي: «هذا الكتاب هو في الوقت نفسه كتاب بشريّ، بل مجموعة كتب، تركها لنا كُتّاب، منهم المعروفون، ومنهم المجهولون([15])

وكذلك الأب (ثيودور ستيليانوبولوس) في تعريفه للكتاب المُقدَّس يقول الآتي: «وُضِعَت الكتابات المُختلفة بالعبرانية واليونانية، وبعض الأجزاء بالآرامية، وفي الأغلب ألَّفها كُتَّاب مجهولون، عاشوا في ظُرُوف تاريخية مُعيَّنة، وعالجوا أمور مُهمَّة بالنَّسبة إلى جماعاتهم الدِّينية.»([16])

وهكذا في النِّهاية نصل إلى الآتي:

حقيقة حال أسفار أهل الكتاب المُقدَّسة أبعد ما تكون عن اتِّصال السَّند، فهُم في انقطاع تلو انقطاع، فإنَّ البداية تكون بمُجرَّد معرفة كاتب السِّفر، وهذا غير موجود، ناهيك عن استكمال سلسلة من الرجال الذين حافظوا على السفر جيلاً بعد جيل!

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات


  • [1] الدكتور القس منيس عبد النور: شبهات وهمية حول الكتاب المقدس، كنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية، طبعة ثالثة منقحة ومزيدة عام 1998، صـ22.
  • [2] الأب جورج سابا: على عتبة الكتاب المقدس، منشورات المكتبة البولسية، ط1 عام 1987م، صـ108 إلى 110. (مع بعض التصرُّف الاختصار)
  • [3] ستيفن ميلر وروبرت هوبر: تاريخ الكتاب المقدس منذ التكوين وحتى اليوم، دار الثقافة، الطبعة الأولى 2008م، صـ28 و30.
  • [4] مجموعة من المؤلفين: مدخل إلى الكتاب المقدس (يشتمل على تحليل لكل سفر من أسفار الكتاب المقدس بعديه القديم والجديد)، ترجمة: نجيب إلياس، دار الثقافة، طبعة أولى 1993م، صـ76.
  • [5] المرجع السابق، صـ108.
  • [6] المرجع السابق، صـ127.
  • [7] المرجع السابق، صـ169.
  • [8] المرجع السابق، صـ312.
  • [9] المرجع السابق، صـ355.
  • [10] المرجع السابق، صـ388.
  • [11] موريس تاوضروس: المدخل إلى العهد الجديد، دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، صـ13.
  • [12] إي. بي. ساندرز ومارجريت دايفس: دراسة الأناجيل الإزائية، ترجمة: باسم سمير فرج، رسالتنا للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2019م، صـ24 و30.
  • [13] رايموند براون: 101 سؤال وجواب حول الكتاب المقدس، ترجمة: ماري فكري، دار الأكويني، الطبعة الأولى 2018م، صـ96-98. (مع بعض التَّصرُّف اليسير)
  • [14] الكتاب المُقدَّس: ترجمة الرَّهبانية اليسوعية، مدخل إلى الكتاب المقدس، جمعيات الكتاب المقدس في المشرق، صـ29.
  • [15] الأب جورج سابا: على عتبة الكتاب المقدس، منشورات المكتبة البولسية، صـ99.
  • [16] الأب ثيودور ستيليانوبولوس: العهد الجديد نظرة أرثوذكسية، نقله إلى العربية: الأب أنطوان ملكي، مطرانية بصرى حوران للروم الأرثوذكس، صـ22.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى