مقالات

بذور الأنانية “التربية الإيجابية بين الواقع والنظرية”

تعيش مجتمعاتنا على فترات عراكاً على هامش المصطلحات، فتارة تجد النزاع حول مفهوم النسوية وتطبيقاتها وصلاحيتها محتدماً بين فرق لا تعدو خلافاتهم سحباً للمصطلح إلى مساحة اجتماعية خاصة بنا لم يوضع لها. وتارة تجد الصراع حول التربية الإيجابية؛ التي كانت منظمتها الدولية قد نشرت ومازالت على حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي دعماً للشذوذ الجنسي، فخرج الناس مصدومين متسائلين واشتعلت الخلافات وتجددت مرات حول أهلية منهج التربية الإيجابية وفعاليته في التنشئة السوية ومدى اتفاقه أو اختلافه مع ديننا الحنيف.

فهل الأسئلة حول هذا المنهج التربوي مستحقة فعلا، أم أنها مجرد تشويش على وسائل ناجعة مثبتة الكفاءة يمكننا الأخذ بها مطمئنين؟

من البذرة إلى الثمرة..

في عام 1912 انفصل عالم النفس النمساوي ألفريد أدلر عن مدرسة التحليل النفسي لسيجموند فرويد مبشراً بمدرسة جديدة في علم النفس وهي ما سميت في ما بعد “علم النفس الفردي”، وقد استبدل أدلر “الغريزة الجنسية” التي كان فرويد يراها القوة الدافعة للسلوك البشري ب”عقدة النقص”؛ والتي تحرك البشر ناحية تعويض هذا النقص الذي خلقوا به مستجيبين لنزعات القوة والسيطرة والتفوق المركوزة في فطرتهم بحسب أدلر. 1

ولأن الإنسان يولد ويعيش داخل وسط اجتماعي، فقد أضاف أدلر الشعور الاجتماعي إلى عقدة النقص كأهم عاملين يحددان طبيعة شخصية الفرد وشكل وجوده في الحياة. وهذه المقولة هي المبدأ الأساسي في نظرية التربية الإيجابية التي صاغها “أدلر” وتبعه فيها تلميذه رودولف دريكرز الذي نقل المدرسة الأدلرية من علم النفس إلى التربية. وقد تأثر دريكرز بمعاصره الأمريكي الشهير رائد البراجماتية جون ديوي، والذي يعتبر من أشهر أعلام التربية الحديثة على المستوى العالمي، فقد ارتبط اسمه بفلسفة التربية لأنه اهتم بتحديد الغرض من التعليم وربط النظريات بالواقع من غير الخضوع للنظام والتقاليد الموروثة مهما كانت عريقة، بل البحث فيما يفيد المجتمع ويوصله لأهدافه الواقعية ويحفظ نظامه الديمقراطي. 2

ولأن الفلسفة تمثل الجانب النظري أو الفكري والتربية الوسيلة التي يتم تنفيذ الفلسفة من خلالها، فإن كلًا من الأهداف والمناهج والتطبيقات التربوية تتأثر بفلسفة التربية التي تنبثق عنها، ولأن كلاً من الديمقراطية والبراجماتية -التي تجعل نجاح العمل هو المعيار الوحيد لمصداقية الأفكار- مثلتا دعائم المجتمع الأمريكي، فكان من الطبيعي أن تنعكس أهداف المجتمع وأفكاره المؤسسة على مجال التربية، ساعية لدمج الأطفال في البنية الاجتماعية وجعلهم يتشربون قيمها منذ نعومة أظفارهم، ويستمرون في تحقيق أهداف مجتمعاتهم ومصالحها 3. ومن هنا كان مجهود دريكرز في التأكيد على خلق بيئة ديمقراطية في عملية التربية 4، وتأكيد جون ديوي على مركزية الفرد وميوله، ليصبح قادراً على النبوغ ومتمتعاً بالحرية وجزءاً من النظام الديمقراطي. وهذه الرؤية الفكرية كانت الأساس الذي طوّرت من خلاله “جين نيلسن” أبحاثها في مجموعة كتبها عن “التربية الإيجابية”.

منهج نيلسن كمرآة للفلسفة

صاغت نيلسن في كتبها مباديء أساسية تنطلق منها التربية الإيجابية وأدوات تستخدم لتطبيق هذه المبادئ، منها مبدأ اللطف مع الحزم؛ فالحزم يكون باحترام الكبار واحترام متطلبات الموقف واللطف يكون باحترام الطفل واحتياجاته. فبيئة التربية تحكمها قوانين أو مبادئ واضحة يحترمها الجميع، ويشارك الأطفال في وضعها وتطبق على الكبار كما الأطفال، والهدف خلق احترام متبادل يجنب الأسرة حصول الكثير من الجدل والغضب عند الحزم في المواقف الصعبة. وهذا انعكاس للنظام الديمقراطي الذي يعطي الجميع الأحقية في صياغة القوانين والحرية في التعبير مع احترام القوانين العامة التي لا يمكن تجاوزها. 5

ومن مبادئها الأساسية كذلك السعي لفهم عالم الطفل، وفهم الاعتقاد خلف السلوكيات التي تصدر من الأطفال والتي تبدو كتصرفات سيئة أو غير مفهومة. ومن أهم الإجراءات التي تعتمدها الإنصات الفعال وتطوير مهارات حل المشكلات التي تعين الوالدين على دمج الأطفال وتنمية قدراتهم على وضع الحلول والخطط وتحمل مسئولية تنفيذها بناء على مشاركتهم في وضعها. أي أنها تضع الطفل ورغباته وتطلعاته وقدراته في مركز العملية التربوية سواء في البيت أو في المدرسة.

أما التشجيع بدلاً من المدح والذي يعتبر من أشهر المبادىء فالهدف منه إخراج الطفل من دائرة انتظار القبول وعدم الاعتماد على غيره حتى يشعر بالرضا النفسي والإنجاز، وتجنب تحول الطفل إلى شخص منافق يسعى لإرضاء غيره بفعل مالا يقتنع به، وعدم إيصال شعور الحب المشروط للطفل إذا ذمه أبواه عند فعله للخطأ. أما مدح الفعل فإنه يشجع الطفل على تعلم المزيد وهو يشعر بثقة في نفسه وقدرة على الإنجاز. أي أن معيار تقييم الشخصية منفصل عن اختياراتها وأفعالها التي قد لا ترضي الأبوين ولا توافق الصواب المطلق. وقد تعرض هذا المبدأ للاعتراض من داخل نفس المدرسة في التربية حيث نجد ألفي كون وهو رائد تربوي أمريكي يقول أن اعتماد التشجيع لكل أفعال الطفل قد يحد من إبداعه وقدرته على الإنجاز والتحسين، فحين يصبح كل ما يفعله جيداً ما الداعي لفعل الأفضل إذاً؟! 6

وأكثر مبادئ منهج نيلسن إثارة للجدل هو العاقبة بدلاً من العقاب، فالتربية الإيجابية ترفض العقاب بشكل كامل وترى أن أضراره كبيرة وتطبيقه لا يوصل لأي فائدة مرجوة في عملية التربية. فالعقاب البدني أو اللفظي أو حتى النفسي – كالتجاهل أو وضع الطفل في ركن العقاب – وفقاً لمنهج التربية الإيجابية سيؤدي إلى تفاقم الأمور وتنتج شخصية مشوهة أو ساخطة أو متمردة أو منسحبة أو ترغب في الانتقام. أما أسلوب العاقبة -أن يترتب على التصرف السيء عاقبة مرتبطة به- فيحمل تفسيراً منطقياً يجعل اعتراض الطفل عليه اعتراضا مؤقتاً يتبعه قناعة بأن هذا التصرف من والديه كان حكيما وعادلا. وهنا تغيب فكرة الحدود الخارجة عن الأفعال وغير القابلة للتجاوز. وخارج العقاب والعاقبة يأتي التساهل؛ وهو التهمة التي يرمي بها المعترضين منهج التربية الإيجابية وينفيها عنه أنصاره، فكيف نتج التساهل إن لم تكن التربية الإيجابية تدعو له؟

بذور الأنانية..

تعتبر التربية الملعب الذي تتفاعل فيه الأفكار الفلسفية والظروف الاقتصادية والآمال الاجتماعية، ويكثر اللاعبين المشاركين فيها، فالأبناء الذين هم جزء أساسي من هذه العملية يظهر عليهم آثارها المباشرة أما الآباء فهم الركن الأساسي فيها، ليس فقط بكونهم مسئولين يختارون الأسلوب الذي يفضلونه في تربية أبنائهم، وإنما كونهم هم أيضا نتاج عملية تربوية خضعوا لها في صغرهم وظروف عاشوها أثرت على طباعهم وتطلعاتهم، وخلقت لديهم تفضيلات في تربية أبنائهم تمنوا لو كانت لهم.

فالبعض يبالغ في القسوة وآخرين يبالغون في التدليل رافضين بشدة كل أشكال العقاب التي تعرضوا لها في صغرهم، والبعض دائم الإنشغال بسبب طبيعة العمل والظروف الاقتصادية الضاغطة حاليا فلا يجد الوقت ليمارس دوره التربوي في حياة أبنائه، فيعوض انشغاله بالتدليل غير المحسوب. والبعض أعادت قيم النجاح المادي والنمو الذاتي والبراجماتية المقنعة تشكيل داخله فأصبح راغبا في وصول أولاده لصورة النجاح التي يتمناها لهم بلا انتباه للقيم الأساسية. فتضيع داخل هذه المعمعة الحياتية توجيهات التربية الإيجابية بغرس قيم الاحترام والحزم مع اللطف، والمناقشة لإيجاد الحلول، والعواقب كأداة لضبط السلوك، كما تضيع القيم التي تؤكد عليها المناهج التربوية الأخرى.

وهذا التساهل – وعلى عكس المتوقع – يُفقد الأطفال الذين لديهم حرية مطلقة في صنع ما يفعلون بدون إرشاد وتوجيه الشعور بالأمان، وذلك لأن وجود القوانين يخلق إحساسا لدى الأطفال باهتمام والديهم ومسؤوليتهم تجاههم. ويؤدي التساهل غير المحدود من الآباء أيضاً إلى غياب أحاسيس مراعاة الأطفال لآثار أفعالهم على محيطهم الاجتماعي وغياب قيمة الاحترام للآخرين وخصوصا الأكبر عمراً من نفوسهم، وحتى على مستوى العمل المهني قد يصبح العاملون الذين تلقوا هذا النوع من التعامل التربوي أقل قدرة على العمل الجماعي وأقل قدرة على تحقيق الأهداف نتيجة تركيزهم على مشاعرهم ورغباتهم أكثر من واجباتهم. 8

ورغم أن هذا الاختيار التربوي ونتيجته السيئة في السلوك الاجتماعي ليس ناتجاً مباشراً للتربية الإيجابية، ورغم وجود قيم وأدوات تتقاطع بينها وبين الأسلوب التربوي الذي يدعو له الإسلام، إلا أن هناك تضاربات واضحة بين فلسفة التربية الإيجابية ونظرة الإسلام فأين يتفقان وكيف يختلفان؟

نحن والتربية الإيجابية

في كتابه “الخبرة والتربية” وضح جون ديوي المباديء التي تقوم عليها آليات التربية من وجهة نظر البراجماتية؛ ومنها التركيز على التعبير عن الذات وتنمية شعور الفرد بنفسه، والتعليم عن طريق الخبرة الفردية وعدم الاعتماد على المصادر الخارجية سواء الكتب أو المدرسين، والتركيز على استغلال الفرص وتنمية المهارات بدلا عن الأهداف النظرية غير المرتبطة بالواقع. هذه المبادئ التي انعكست في قيم التربية الإيجابية وإجراءاتها مثيرة لحفيظة المهتمين بالتربية من داخل ثقافتنا الإسلامية. 9

ومن أبرز المبادئ التي تتعارض مع روح الإسلام مد فكرة الديمقراطية في كل الممارسات الحياتية، فإذا وجدت مشكلة بين أفراد من مجتمع الأسرة أو المدرسة تقترح التربية الإيجابية القيام باجتماع لمناقشة المشكلة وطرح الحلول من الجميع وتطبيق الحل الذي يتفق عليه الأغلبية تطبيقا للمساواة والديمقراطية، وهذا الحل قد يكون ناجعاً في بعض أنواع المشاكل لا كلها، فمد الخط سيوصلنا لاستبدال القيم المرجعية التي يرتضيها رب البشر لهم بقيم نسبية يضعونها هم بحسب هواهم في كل موقف، كما أن غياب المركزية الصلبة التي يمثلها الأبوين يفقد الأطفال شعور الالتجاء الذي يحتاجه الإنسان طوال حياته لله عز وجل.

وتضع التربية الإيجابية الطفل ورغباته وتطلعاته وقدراته في مركز العملية التربوية سواء في البيت أو في المدرسة، والاهتمام  بنفسية الطفل وبقدراته هو أمر محمود بالتأكيد، لكن ماذا إن تعارضت رغبات الطفل واختياراته حين يكبر مع واجبات أخرى يضعها الإسلام كأولوية سلوكية يترتب عليها حسنات وسيئات؟!، وماذا سيحدث حين تتحول العلاقات التراحمية المبنية على الفضل إلى علاقات تعاقدية من نوعية أنا أسمعك إذا سمعتني أو سأعطيك إذا أعطيتني؟، وأي نتيجة سنجدها حين يكون التركيز على التنمية والنجاح والإنجاز ويغيب معنى وجود الإنسان على هذه الأرض من الأساس؟

وتتبنى أيضا التربية الإيجابية مبدأ أن الطفل سيئ السلوك هو طفل محبط (محبط إجتماعيا) يحتاج إلى التشجيع ليقاوم هذا الإحباط وليشعر بالانتماء، وتغفل بذلك الجوانب الأخرى التي يتركب منها الإنسان كالنفس الأمارة بالسوء مثلا، والشهوات الداخلية المحركة للجوارح، والقدر!

أما غياب العقاب لصالح العاقبة، فالإسلام ينظر للإنسان نظرة مركبة ويخاطبه بالوعي والتكليف الذي هو مناط العمل، وتتغير النظرة وفقا للمرحلة العمرية ففي كل عمر تتغير مستويات التمييز والتكليف، ولكل منها نوع من التكليف والمسئولية المناسبين لها والذي يتدرج حتى يصل للتكليف الكامل مع تمام البلوغ والرشد، وأثناء حركة النمو يتم التدريب والتوعية والنصح. 

ماذا إذاً إن أساء شخص ما السلوك؟ يتعامل الإسلام مع إساءة السلوك وفقاً لفلسفة فقهية مركبة من الواجبات والمستحبات والمكروهات والمحرمات والحدود، ولكل خطأ طريقة في التعامل معه .. لذا أولا ينظر للسلوك هل هو حقا سيء وفقا لعمر الطفل ومقدار معرفته ودوافعه النفسية المتوقعة لعمره، ومن ثم يعمل على تقويم سلوكه وتقريبه من الخير وبناء وعيه بالخطأ والصواب باستخدام العديد من الأدوات كالتغافل أو الوعظ أو الترغيب والترهيب وأخيراً الضرب وكله بحسب حالة الطفل. فتهذيب السلوك في الإسلام يراعي المرحلة العمرية ونوعية الخطأ ويتدرج في أدوات تقويم السلوك مراعياً حالة كل طفل على حدى. زارعة في عقل الطفل وروحه فكرة التكليف والعبودية والعاقبة كذلك التي تدندن حولها التربية الإيجابية. 10

ففلسفة التربية تكون صائبة وفاعلة إذا كانت لا تقف عند توليد الوسائل والأساليب التي يحتاجها العمل التربوي وإنما تتضمن أيضاً الغايات والأهداف النهائية التي وجد الإنسان من أجلها. 11 وهنا تبرز مسئولية المربي عند تقييم المناهج التي يتعرض لها مستفيداً من أدواتها ومتجنباً الذوبان فيها إن خالفت رؤيته في الحياة.

  1. علم النفس الفردي: أصوله وتطبيقه، إسحاق رمزي، دار المعارف.
  2. قراءة في الفكر التربوي ل جون ديوي John Dewey، د. مريم محمد الشهري.
  3. pragmatism, https://www.britannica.com/topic/pragmatism-philosophy
  4. https://www.youtube.com/watch?v=LFgCy_elwVE&t=27s
  5. About Positive Discipline, https://www.positivediscipline.com/about-positive-discipline
  6. Five Reasons to Stop Saying “Good Job!”, Alfie Kohn.
  7. التربية الإيجابية: 8 مبادئ بسيطة تصنع شخصية عظيمة، أسماء عبد الحميد.
  8. The Disadvantages of Positive Discipline in Business, Stan Mack
  9. الفردية في الفلسفة البراجماتية دراسة تحليلية ناقدة في ضوء التربية الاسلامية، نايف المطرفي، جامعة أم القرى.
  10. من منشورات بحثية حول التربية الإيجابية لهدى طنطاوي، https://www.facebook.com/DoDo0z/posts/10158848887187193
  11. فلسفة التربية الإسلامية، ماجد عرسان الكيلاني، دار المنارة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى