مقالات

بشر للبيع.. كيف تحولت فتيات إفريقيا إلى ضحايا الاتجار الغربي بالبشر؟

ربما لن تكون المقدمات التاريخية المتعلقة بالحديث عن إفقار إفريقيا ونهب ثرواتها وتحويلها إلى مدن يسكنها الجوع والمرض على يد مستعمري أوروبا جديدة أو مختلفة عن مثيلاتها من الأحاديث التي يعرفها الجميع. فما تعانيه دول إفريقيا كلها اليوم ما هو في الحقيقة إلا نتاج سنوات من الاستنزاف الفعلي، لكن دول الاستعمار لم تكتفي بذلك بل بدأت نوعاً جديداً من الاستنزاف الإجرامي.. لكنه هذه المرة من طراز مختلف.

للبيع!

تتمثل القصة الإجرامية في حكايتنا في أزمة الإتجار بالبشر والتي صارت واحدة من أكثر الكوارث شيوعاً، حيث تدور في حلقة مكونة من عدة أطراف، بدايتها من مجتمع فقير يعاني الأمرين ويحلم ساكنيه بالرحيل عنه بأي طريقة بحثاً عن حياة أفضل تتوافر فيها المقومات الطبيعية للبقاء، ليظهر الطرف الثاني وهو وكالات الإتجار والتي تقدم نفسها في المدن الإفريقية باعتبارها وكالات تشغيل العمالة بالخارج وتحديداً في أوروبا.

يتحرك طرف الخيط نحو نوعية الصفقات المزدوجة التي تقوم بها تلك الوكالات، فهي تتفق مع الراغبين في الرحيل على أن يكونوا مدينين للوكالة بتكلفة سفرهم لأنهم لا يملكونها بالطبع في مقابل أن يستمروا في دفعها من أجورهم بالعمل في الخارج والذي يعلن عنه في صورة العمل في مطاعم أو محال أو مصانع.

نصل في النهاية إلى الطرف الأخير من الخيط بوصول الضحايا إلى المدن الأوروبية عبر طرق غير شرعية ودون أوراق إقامة أو فرص عمل محددة من بين التي سمعوا عنها في بلادهم، ليكون الأمر الواقع في انتظارهم حينما يقدمهم مسئولو تلك الوكالات في أوروبا إلى الزبائن الأوروبيين في الحصول على متعة من نوع من جديد.

كشف وثائقي عرضته فضائية DW الألمانية (1) جانب خفي في تلك المعادلة، ففي العديد من الدول الأوروبية يطلب زبائن دور البغاء نوعاً جديداً من الفتيات يمكن استعباده واحتقاره، وهو ما تقدمه وكالات التوظيف بالخارج التي تحول الفتيات الراغبات في العمل في أوروبا إلى عاملات في الجنس مقابل تسديد ديونهم وعدم الإبلاغ عنهم باعتبارهم مهاجرين غير شرعيين.

بالطبع لن تكون مفاجأة بحسب الوثائقي أن معظم الفتيات التي يجري اختيارهن في تلك الدائرة هن من ذوات السن الصغير للغاية.

أطفال تحت المقصلة

يمثل الجانب الغربي من قارة إفريقيا المحور الأكبر في عمليات الإتجار بالبشر في القارة السمراء، فدول غرب إفريقيا تتدفق منها أعداداً ضخمة إلى الإتجار بالبشر باتجاه أوروبا.

يكمن الأطفال في قلب تلك المأساة، فقد أعلنت الأمم المتحدة في تقريرها الصادر في فبراير/ شباط من العام 2021 أن 3 من كل 4 ضحايا (2) لعمليات الاتجار بالبشر نحو أوروبا هم من الأطفال، أي أن 75% تقريباً ممن تقتادهم شركات الإتجار بالبشر الأفروأوروبية إلى ألمانيا وفرنسا هم من الأطفال.

في العام 2004 أعدت مؤسسة اليونيسيف دراسة (3) كشفت فيها عن تفاصيل أكثر أهمية فيما يتعلق بالاتجار في الأطفال، حيث أشارت إلى أن الفئة الكبرى من الأطفال المستهدفين تتراوح أعمارهم ما بين 12-16 عاماً، وأن العديد من دول أوروبا يرغبون في الحصول على فتيات بعمر الـ 8 سنوات لأغراض جنسية، كما جرى مع الفتيات الصغار من كينيا وزيمبابوي وغانا.

وأوضحت الدراسة أن هؤلاء الفتيات الصغار لا ينتهي بهن الحال في العمل في البغاء وحسب، بل يقضين سنوات في ذلك العمل حتى يصلوا إلى سن يسمح لهن بالعودة إلى بلادهن لاجتذاب المزيد من الفتيات الصغار إلى نفس البلاد لتستمر الدائرة المقيتة.

الوجهة في ألمانيا

قدرت الأمم المتحدة في العام 2019 أنه بداية من العام 2016 ولمدة 3 سنوات تدفق 20 ألف فتاة وامرأة من إفريقيا وصلوا إلى إيطاليا (4) وصرن مجبرات على العمل في البغاء، وأن هذا الرقم هو نسبة صغيرة في مقابل الأعداد التي تصل إلى مختلف المدن الألمانية.

تعتبر ألمانيا الوجهة الأهم في أوروبا لراغبي الحصول على علاقات البغاء أياً كانت الفئة العمرية لعدة أسباب، منها التقنين الذي يحصل عليه البغاء في ألمانيا والغطاء القانوني الذي يفتح الباب لتوسع تلك النشاطات.

والسبب الثاني هو أن ألمانيا وبحسب الدراسة لا تقدم ما يكفي من الإجراءات والاهتمام لوقف عمليات الإتجار البشر (5) التي تصدر أعداداً ضخمة لبلادهم ليصبحوا ضحية الاستعباد من المجرمين.

تناقض صارخ

تخبرنا إحصائية الأمم المتحدة أن القارة الأوروبية تضم كل عام ما لا يقل عن 250 ألف (6) ضحية للاتجار الجنسي بالبشر ما بين نساء بالغات وفتيات في عمر المراهقة وأطفال لم يشبوا عن الطوق بعد، ليقودنا ذلك إلى واحدة من أكثر الأسئلة إلحاحاً لفهم ذلك التناقض المثير الذي تعيشه البلاد الغربية بكل ما تدعيه من قيم وتحضر.

فإن كنا بصدد الحديث عن مجتمع يحصل فيه الجميع على حرية التصرف وحرية الدخول في علاقات مفتوحة بلا شرط ولا قيد، فما الذي يدفع إنساناً ليقدم على استعباد فئة من البشر لمجرد اعتقاده أنهم أقل منه في تصنيفه الإنساني.

تكشف ميليسا ويزرس الباحثة النفسية في مقالها على منصة (7) psychology today  أن المرتكبين لجرائم الإتجار بالبشر يمتلكون تصوراً نفسياً معيناً عن ضحاياهم، يتضمن بالضرورة انتزاعهم من هيئتهم البشرية والتعامل معهم بصفتهم كائنات ناقصة الأهلية وقادمون من أماكن فقيرة ومدمرة ولا يحصل ساكنيها على حياة أدمية، لذا فالإتجار بهم لن يشكل فارقاً عما يعيشونه في بلدانهم بالفعل.

والحقيقة أن هذا النوع من التصورات المريضة ليس بجديد على المجتمعات الغربية ولا يعد تطوراً في نظرتها نحو الدول الفقيرة وسكانها، فصفحات التاريخ لازالت تسجل حتى اليوم المذابح الجماعية التي ارتكبت في الدول الإفريقية على يد المستعمرون من أوروبا وتقنيات التعذيب التي اشتملت على التعليق من الأعضاء التناسلية وسلخ الجلود ونشر الأوبئة القاتلة والوضع في أقفاص مثل الحيوانات، وغيرها من سجلات الجرائم التي لا يسقطها التاريخ بالتقادم.

وهو ما يقودنا في النهاية إلى كسر قشرة التحضر الزائفة التي تغطي النموذج الغربي وتعريه من تبرجه الكاذب لتضعه أمام حقيقة نفسه الجلية المحتقرة للإنسان إذا ما كان ذا لون مختلف أو حياة أقل رفاهية.

  1. https://www.youtube.com/watch?v=4RkrAy6dFSQ
  2. https://www.unodc.org/nigeria/en/human-trafficking-in-west-africa_-three-out-of-four-victims-are-children-says-unodc-report.html
  3. https://www.unodc.org/nigeria/en/human-trafficking-in-west-africa_-three-out-of-four-victims-are-children-says-unodc-report.html
  4. https://www.infomigrants.net/en/post/20896/italy-11-people-accused-of-trafficking-coercing-nigerian-girls-into-prostitution
  5. https://www.infomigrants.net/en/post/20896/italy-11-people-accused-of-trafficking-coercing-nigerian-girls-into-prostitution
  6. https://www.unodc.org/documents/human-trafficking/Trafficking_in_Persons_in_Europe_09.pdf
  7. https://www.psychologytoday.com/us/blog/modern-day-slavery/201610/psychological-tactics-used-human-traffickers#:~:text=From%20the%20viewpoint%20of%20traffickers,%2C%20fear%2C%20and%20psychological%20abuse.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى