مقالات

رحمة للعالمين.. حال النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس

في واحدة من ليالي رمضان الخالدة، في عام قمري لم يصبح بعد عامًا هجريًا، دوى صوت المَلَك الكريم في أرجاء حراء: “اقرأ”.. “اقرأ باسم ربك الذي خلق”؛ لتتنزل معه أولى ومضات الوحي الشريف على خير البرية، وخير خلق الله أجمعين: رسول الله، محمد صلى الله عليه وسلم.

بدأت حينها البشارة المباركة، ورجع بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى خديجة مرتجفًا فَزِعًا: “زمّلوني زمّلوني”. فزمّلوه.. وذهب الروع، وطمأنته خديجة بالذي هو حق: “كلا، أبشر.. فوالله لا يخزيك الله أبدا، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”.

وصدّقت أمنا رضي الله عنها، كيف لا وقد صدّقها الله من فوق سبع سموات بوحي يُتلى، فقال: “لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة”. كله أسوة، كل قول، كل فعل، كل طرفة عين. أسوة في القول الحسن، أسوة في الصمت الجميل، في الحلم والعفو، في الرحمة، في الحياء، في أمانة العهد، في التواضع، أسوة في الشجاعة والجود والكرم وكل مكارم الأخلاق، فلا يسع الزوج إلا أن يعرف الرسول الزوج، ولا يسع الحاكم إلا أن يعرف الرسول العادل في حكمه، ولا يسع أي إنسان إلا أن يعرف الرسول الذي كملت خصاله في كل شأن.

فدعونا نلتقط طرفًا بسيطًا نتأسّى به، لنعلم كيف كان قدوتنا صلى الله عليه وسلم، وما ينبغي لنا التأسّي به، فهو الذي أخبرنا أن أقربنا منه مجالسًا أحاسننا أخلاقًا، ومن أراد القُرب من حبيبه تشبّه به، فها نحن ذا.

الأقربون أولى

عن سعد بن هشام بن عامر، أنه أتى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فسألها: يا أم المؤمنين، أخبريني بخُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خُلقه القرآن، أما تقرأ قول الله عز وجل “وإنك لعلى خلق عظيم”؟ فقال لها سعد: فإني أريد أن أتبتل، فقالت: لا تفعل، أما تقرأ “لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة”؟ فقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وُلِد له[1]

هكذا كانت سُنّة النبي صلى الله عليه وسلم: يتزوج وينجب، وهكذا كان خلقه: “القرآن”. ولما كان القرآن يأمرنا بقول الله: ” يَسأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُل مَا أَنفَقتُم مِّن خَيرٍ فَلِلوَالِدَينِ وَالأَقرَبِينَ”. كان من البديهي أن نرى النبي صلى الله عليه وسلم خير الناس للأقربين، كيف لا وهو القائل: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”[2]؟!

فقد كانت له عليه الصلاة والسلام إحدى عشرة زوجة، شهدن كلهن أنه كان حلو المعاشرة، وحسن التعامل، ومن ذلك حرصه على مجالسته إياهن ومؤانسته لهن في كل يوم، بل في كل صبح وغداة، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح جلس في مصلاه، وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس، ثم يدخل على نسائه امرأة امرأة، يسلم عليهن ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن كان عندها”[3].

فإذا انقضى اليوم وانصرف تخبرنا أمنا عائشة أنه إذا انصرف من العصر “دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن”[4]، والدنو هنا يعني قُرب المُحب لزوجه من جلوس واستئناس ومحادثة وعاطفة، بل أبسط من ذلك وأجمل، فقد كان ينام في حجر زوجته فترة حيضها، ويتحرى مكان شربها ليشرب منه؛ ليزيل عنها كل مخاوف الجاهلية حين كان يتجنب الرجل زوجته في مثل هذا الوقت.

كما لم يتوقف بر النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته عند حياتهم، بل أن هذا البر قد امتد لمن توفى منهن في حياته، وخير شهادة في ذلك شهادة أم المؤمنين عائشة التي تروي لنا أنها ما غارت على أحد من نساء النبي كما غارت على خديجة، على الرغم من وفاتها، لا لشيء إلا لشدة بر النبي بها، فقد كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها إلى صديقاتها، وكان يتهلل وجهه الشريف لزيارة أختها هالة بنت خويلد.. إلى غير ذلك من مظاهر الوفاء الجزيل.

هذا كله فضلًا عن اصطحابه إياهن معه إلى الولائم والغزوات، وحلمه الشديد وصبره ورفقه، فهو الذي لم يضرب شيئًا بيده قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ومع كل هذا الإحسان كان في خدمة أهل بيته، فـكان يَخيطُ ثوبَه ويخصِفُ نعلَه ويعمَلُ ما يعمَلُ الرِّجالُ في بيوتِهم. ومن كان هذا حاله مع أزواجه، فهو مع أبنائه أرفق وأبر، وقد علمنا صلى الله عليه وسلم كيف يكون الأب من اللحظة الأولى، إذ أحسن أسماء أبنائه، وتخير لبناته خيرة الرجال لزواجهن بعد مشورتهن.

وعن عائشة رضي الله عنها أنه كان يلاطف بناته ويمسح عن صاحبة الحزن حزنها، بل ولا يدعها حتى يضحكها، في حنان أبوي دافئ رفيق. لكن قد يقول القائل أن هذا من الخلق الفطري الطبيعي لدى الرجل، لكننا إذا ما نظرنا إلى السياق القبلي الجاهلي الذي كانت فيه المرأة قليلة الشأن كزوجة، ومؤدة كابنة، ثم نظرنا إلى ما كرم به الإسلام المرأة ورفعها، ثم عرفنا أن ذلك كله تاثرًا بخلق النبي صلى الله عليه وسلم القرءاني مع نساء بيته، عرفنا عظم ما أثمره النبي من أخلاق في هذا السياق. لكن.. مع هذا كله، فكيف كان خلق النبي مع جيرانه وأصحابه وسائر المسلمين خارج أهل بيته؟  

رؤوف رحيم

حكى أحد الأنصار أنه خرج يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فما أن بلغه حتى وجده مع رجل يحدثه، وظل معه حتى قال الرجل: والله لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعلت أرثي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طول القيام، ولما انصرف الرجل سأله الأنصاري: يا رسول الله! لقد قام بك الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. فسأله صلى الله عليه وسلم: ولقد رأيته؟ فقال الرجل: نعم. فسأله: أتدري من هو؟ قال: لا. فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: “ذاك جبريل عليه السلام، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه”[5]!

من هذا الحديث ينطلق حديثنا عن النبي صلى الله عليه وسلم بين جيرانه. فهو الذي أوصى أصحابه في خطبة الوداع قائلًا: “أوصيكم بالجار”. وهو الذي قال “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره”[6]. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فأخبرنا أنه لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه، وأقسم على ذلك ثلاث، بل شهد له بالحرمان من الجنة، حتى وإن كان من العبّاد الزهاد الناسكين.

وقد روت السيدة أم سلمة قائلة: بينما أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحاف، إذ دخلت شاه لجار لنا، فأخذت قرصة من الخبز لنا، فقمت إليها فأخذتها من بين لحييها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما كان ينبغي لكِ أن تعنفيها، إنه لا قليل من أذى الجار”[7] أي أن أذى الجار لجاره غير مغفور وإن كان قليلًا.

أما عن أصحابه فلا يتسع المقام للحديث عن خلق النبي معهم، ولا يتسع المقام لأي من خصال النبي صلى الله عليه وسلم وغزارة ثمرها، ولكن حسبنا غيض من هذا الفيض، متمثلًا فيما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه حين قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبّه خالد، أو قال له شيئًا عنيفًا، بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه”[8]. وهذا فيما كان بين خالد وعبد الرحمن، فكيف موقفه إن اعتدى مشرك على أحد أصحابه أو تعرض له؟!

على أن هذه الحمية وهذا الحب لأصحابه لم يكن يظهر في المواقف الفاصلة وحسب، بل أن الأدلة غنية بمقالات النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه التي تشع حبًا ورأفةً؛ فضلًا عن مشاورتهم في كل شأن كبير، كما هو الحال في غزوة بدر حين أشار عليه أحد أصحابه بالتمترس عند ماء بدر.. وكما في غزوة أحد حين خرج من المدينة على غير رغبته نزولًا على رأي الشورى، وهو الحاكم النبي الذي يأتيه الوحي من السماء، فأي حاكم بعده قد يستغني عن الشورى؟! وقد صدق عز من قال: “لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم”. ثم هو بعد ذلك مع خصومه وأعدائه كان أنبل الأنداد وخير الخصوم وأكرمهم خلقًا.

خير الناس

في إحدى غزواته مع النبي صلى الله عليه وسلم، يروي لنا الصحابي جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله قد نزل في أحد الوديان، فأخذ يستظل بشجرة منفردًا وقد علق سيفه بأحد أغصانها، وما هي حتى باغته رجل من المشركين فسلب سيفه وهو نائم، وواجه النبي به قائلًا: من يمنعك مني؟ فقال النبي: الله، فسقط السيف من يده، فأخذه النبي وقال: من يمنعك مني؟ فقال الأعرابي: كن خير آخذ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا، ولكني أعاهدُك أن لا أقاتِلَكَ، ولا أكونَ مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فذهب إلى أصحابه، فقال: قد جئتُكم من عندِ خير الناس[9].

هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مع خصومه: خصمًا شريفًا على قوته وحزمه، ومقاتلًا نبيلًا على الرغم من شجاعته وإقدامه على أعداءه، وهو قبل هذا كله داعيًا رفيقًا بمن يدعوهم، وغني عن البيان قصته صلى الله عليه وسلم مع أهل الطائف في أول دعوته، وقد طردوه وسلطوا عليه سفائهم يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه الشريفتان، في موقف كهذا، تطوق فيه الأنفس للحظة قصاص وانتقام، يرسل الله ملك الجبال إلى نبيه يخبره:  يا محمد، إن الله قد أرسلني إليك، فمرني بما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، أي الجبلين..

فيقول خير الناس: كلا، بل أدعو الله أن يُخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يُشرك به شيئًا.

وفي السيرة نرى كثيرًا أحد أصحابه يقوم مغتاظًا منفعلًا يقول: “يا رسول الله! دعني أضرب هذا الرجل” لفرط إساءته في حق الجناب النبوي، ونجد حينها من الرسول صلى الله عليه وسلم صفحًا وصبرًا تلين به قلوب الأجلاف والخصوم وتقربهم إلى الإسلام. وفي السياق نفسه نرى رأفته وصبره على رأس النفاق ابن سلول، فلا يقتله رغم نفاقه حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ثم إذا به عند موته يصلي عليه ويستغفر له طمعًا في رحمة الله حتى نهاه الله عن فعل ذلك للمنافقين.

وهذا غيض من غيض الفيض، وهو أقل ما يتسع له المقام وأبسط ما نستدل به من آثار المعصوم الكريم الذي وصل الرحم، وصدق الحديث، وحمل الكل، وأكسب المعدوم، وأقرى الضيف، وأعان على نوائب الحق، فصلى الله عليه وسلم في الملأ الأعلى إلى يوم الدين.

مصادر

1- مسند أحمد.

2- سنن الترمذي.

3- الطبراني، المعجم الكبير.

4- صحيح البخاري.

5- مسند أحمد

6- صحيح البخاري.

7- الطبراني، المعجم الكبير.

8- مسند أحمد.

9- صحيح البخاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى