مقالات

ضد الفطرة.. حداثة الإلحاد وعدمية الحياة

باستعراض سريع لمسار الإلحاد ومنشئه، فإننا -بقدر من التأمل التاريخي- سنجد الإلحاد، الجازم بإنكار الإله، أمرا مستحدثا على التاريخ الإنساني. ففي كتابه “ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث”، يرى الدكتور “سلطان العميري” أن الإلحاد وإن كان موجودا في العصور القديمة بنسب ضئيلة وحالات شاذة، فإن صيحته الحديثة تلك ما هي إلا نتاج لثورة الحداثة على الكنيسة الأوروبية في قرون متأخرة.

وعلى الرغم من ابتداء حركة النقد الديني في أوروبا في القرن الثاني عشر تقريبًا، إلا أن هذا النقد لم يكن موجها لأصل الأديان ككل، وإنما كان مرتكزا على نقد العقائد الكنسية حينها. لكن -كما يرى “العميري”- كانت هذه الحركات بمنزلة التمهيد لما حدث في القرن السابع عشر، وما تلاه، من انتشار واسع، فسيح الأرجاء، لظاهرة نقد الدين. 

ليطرأ على العالم من ذلك العصر تيار محدث لم يكن -بهذه الكثافة- منذ خلق الله الأرض ومن عليها. فلو أننا أردنا تحليل هذا الإنكار، بعيدا عن الصراعات الفكرية والسياسية في أوروبا العصور الوسطى وأوروبا الحداثة، وتحركا من النظرة العامة إلى التشريح الخاص، فما الذي قد نكتشفه من أثر لفقد الإيمان داخل الإنسان؟

الإلحاد.. ذلك الضيف الثقيل

في كتابه “فطرية الإيمان”، يسرد البروفيسور “جستون باريت” عددا من الدراسات والتجارب النفسية المقامة على الأطفال الصغار، والتي تتبعت جذور الإيمان في الفطرة البشرية منذ نشأتها، لتنتهي تجاربه إلى أن الأطفال يولدون بالفعل بنزعات فطرية تحمل صفات إيمانية؛ كإرجاع صناعة العالم إلى صانع عليم حكيم، وأن هذا الصانع يصمم الأشياء لغاية وهدف، وأنه أكبر من الإنسان وأكثر قدرة منه… تلك النتائج التي جعلت “باريت” -بوصفه بروفيسورًا ومحاضرًا في الإدراك الديني- يذهب إلى أن الإلحاد هو حالة من فقدان الذاكرة الطفولي[1].

وبعد استعراض مُطوّل في أكثر من ثلثي الكتاب، ناقش “باريت” عنوانا مثيرًا للاهتمام باسم “هل الإلحاد غير طبيعي؟”. فـ “باريت” لم يكن يرى الإلحاد كما يعرّفه الملحدون بأنه -فقط- إنكار للإله الخالق، وإنما ضمّ للمصطلح تعريفا أشمل وهو إنكار كل الغيبيات والأمور المعنوية المتجاوزة لحاجز المادة.

فالمرء قد ينكر الله لأي من الأسباب التي يطول شرحها، والتي تكون نفسية في كثير من الأحيان[13]، ولكنه لا يستطيع إنكار العاطفة التي يشعر بها تجاه غيره دون فهم ميكانيكي، والحزن الذي ينتابه دون تفسير بيولوجي، والتضحية، والخوف من أمور غيبية، والإدراك لقوانين الكون الفطرية. بل إن الإلحاد في ردة فعله على التشوهات الفكرية في مسيحية القرون الوسطى، أو في مواقفه تجاه الشرور في العالم، يحمل نزعة إيمانية تهدف إلى الكمال الذي لا يتحقق إلا بتصور وجود الله.

تلك المفاهيم التي تجعل وجود الإلحاد أقرب إلى الخيال. وعلى هذا يقول “باريت”: “إن كنت أحد هؤلاء الذين لم يتذكروا أنهم آمنوا يوما بأي نوع من الإله -بما في ذلك الأشباح، والجنّيات، والملائكة، وما يشبهها- فأول ما عليك إدراكه أنك غير طبيعي أبدا”.

وفي هذا السياق، يقول الباحث “عبد الله الشهري” إننا بالنظر إلى تاريخ البشر الحافل، سنجد أنفسنا أمام ظاهرة طارئة -يعني الإلحاد- حفّزتها مثيرات مرهونة بسياق حضاري معيّن، أي سياق الحداثة الغربية، مما أدّى إلى نوع من الارتباط الشرطي (بين العقل والعلم والدين مطلقا). ويضيف أن الإلحاد “حالة إدراكية لم تتمتع بأي رسوخ نوعي في الوعي الجمعي الإنساني”، فهي “حالة تعاود الظهور كزعانف القرش وسط بحر الدين الهادر”، ثم يسأل متعجبا: “لو كُنّا حقا أبناء الطبيعة الخُلَّص وأحفاد الكون الشرعيين، المنحدرين من صلبه، هل كان سيفتقر خيار الإلحاد إلى مكابدة أم سيكون فطرة؟”[3].

الإيمان.. ذلك المنقذ من الضياع

في كتابه “الصراع من أجل الإيمان”، يروي بروفيسور الرياضيات الأميركي “جيفري لانج” رحلته من الإلحاد إلى الإسلام، متناولا مرحلة مهمة في حياته السابقة، فيقول إنه اعتقد في البداية أن السعادة تكمن في اللقب الأكاديمي، وقد وجدها بالفعل يوم مناقشته لرسالته، إلا أنها ما لبثت أن اختفت بمجرد عودته إلى منزله، فكان كلما أراد استرجاعها شعر بشيء من الخيبة؛ حتى قال عن ذلك الشعور: “ما نحن سوى أحد الحيوانات التي تحاول أن تعيش سعيدة. هل هذا كل ما في الحياة؛ نجاح يليه آخر.. وهكذا؟”.

ويكمل: “الملحد لا يشبع حاجاته شيء؛ لأن عقيدته تخبره أن ليس للحياة هدف، وأن ليس هناك شيء كامل أو شيء مطلق.. ولا شك أنه توجد دومًا في أعماق الإنسان حاجة فطرية إلى تجاوز أبعاده المادية والانجذاب إلى قوة ما وراء الطبيعة تلهمه وتقويه وترشده إلى الصواب.. إننا جميعا نصبو للخلود، وبمقدور المؤمن أن يتخيل السبيل لتحقيقه، أما الملحد فعليه أن يفكر في حلول بديلة آنية”. ثم يسرد قصة إيمانه التي ختمها قائلا عن نطقه لشهادة الإسلام: “كانت هذه الكلمات كقطرات الماء الصافية، تنحدر في الحلق المحترق لرجل قارب على الموت من شدة العطش.. لقد شعرت بالحصانة والأمان والحرية.. لقد هويت في الرحمة النابعة من الحب الأسمى. لقد عدت إلى ملاذي ثانية”.

فهذه العدمية القاسية التي عاناها “لانج” وهذا المعنى المنشود الذي وجده، يُشكّلان الركيزة النفسية في الفارق بين الإيمان والإلحاد، أو ربما بين الإنسان والشيء. ولهذا يقول “بول ديفيس”: “لا أستطيع أن أصدق أن وجودنا في هذا الكون مجرد حدث فجائي، أو طفرة عرضية في الدراما الكونية العظيمة. مشاركتنا في هذا العالم حميمية جدا.. لقد قُصِد حقا أن نكون هنا”.

الإنسان أكبر من الحياة الدنيا إذن، فالإنسان، وفقا لـ”فيكتور فرانكل”[5]، دائم البحث عن المعنى في كل شيء، ذلك هو ما يدفعه للعيش، وتحمل المنغصات، لأن شيئا متجاوزا لعالم الدنيا ينتظره بالثواب. لذا يقول “بيغوفيتش”[6] عن العدمية التي شعر بها “لانج” في إلحاده إنها إلحاد يائس، ورغم ذلك، فهي تنطوي على فكرة دينية، لا فكرة علمية، عن الإنسان والعالم؛ ذلك لأن المادية -ومن ثم الإلحاد- ترفض الغائية في العالم، وهو ما لا يتحمله الإنسان بحال.

تلك الحاجة التي عبّر عنها أساطين إلحادية، كـ “برتراند راسل” الذي قال في أوج إلحاده: “في أعماقي دائما وأبدا ألم فظيع -ألم فضولي ثائر- وبحث عن شيء يتجاوز ما يحويه العالم”. هذا الألم الذي لم يختلف كثيرا عن ثِقل “ألبير كامو” إذ يقول: “ثِقل الأيام مخيف لكل امرئ يعيش وحده بدون إله”[7]. حتى “نيتشه”، الذي صرخ في الجميع عبر كتاباته قائلا: “لقد مات الإله”، تجد مترجم كتابه “هكذا تكلم زرادشت” يقول: “إن نيتشه يعلن إلحاده بكل صراحة… غير أننا لا نكتم القارئ الكريم، بما قرأناه بين سطوره، أننا لم نر كفرا أقرب إلى الإيمان من كفر هذا المفكر الجبار الثائر، الذي ينادي بموت الإله، ثم يراه متجليا أمامه في كل نفس تخفق بين جوانح الناس من نسمته الخالدة”.

هذا التضارب الخفي يعبّر عن الصراع الحقيقي بين جمود المادة حين تسيطر على الفكر، وبين حقيقة الروح التي تبحث عن أسئلة أكبر من محيط الدنيا، فيقول “سامي عامري”: “الإيمان بالله هو الذي يسعف العقل بالجواب عن الأسئلة الأربعة الأساسية للإنسان: الأصل، والمعنى، والأخلاق، والمصير”. ذلك المصير الذي أظهر عند الملحدين في دراسة جامعة أوتاجو[8]، عند التفكير في الموت، تحولا في اللا وعي لقبول أكبر للاعتقادات الدينية. إن الموت، كما يكمل “عامري”، خير واعظ لأنه صوت الفطرة حينما تتعرى من ثوب العناد وصفاقة الحذلقة.. أمام الموت، نقف كلنا أمام وجه الحياة وحقيقتها، فبضدها تُعرف الأشياء.. وأمام الموت تثور الفطرة وتمور البداهة غضبا”.

المصادر

1- فطرية الإيمان.. كيف تدلّ الفطرة على الإيمان بالله؟، ميدان.

2- جستون باريت، فطرية الإيمان.

3- عبد الله الشهري، ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان.

4- عمرو شريف، خرافة الإلحاد.

5- فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن المعنى.

6- بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب.

7- ألبير كامو، السقطة.

8- Death anxiety increases atheists’ unconscious belief in God

https://www.sciencedaily.com/releases/2012/04/120402094322.htm

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى