مقالات

ضرورة النبوة.. ومسالك المناوئين

إن تلازم الدين للمجتمعات البشرية أمر يعلم بالاستقراء، وهو تلازم نابع من حاجة ضرورية ورئيسية وأصيلة لهذه المجتمعات، وقد تحدثنا عن هذا الأمر في مقال سابق.1 ومع ظهور هذا الأمر ووضحه إلا أن للبعض أن يسأل، هل الإنسان بحاجة إلى واسطة بينه وبين الله؟

ينبغي علينا أن ندرك بتواضع أن الإنسان اليوم قد أدرك أكثر من أي وقت مضى أنه لم يعد قادراً على الوصول إلى معرفة شاملة بما يحيط به من أمور فكرية فضلاً عن المعرفية. يلخص لنا رونالد سترومبرج الصورة فيذكر حاكيا عن آثار اكتشاف النظرية النسبية على يد ألبرت آنشتاين الفيزيائي الشهير ” انتعشت الميتافيزيقيا وازداد الاهتمام باللامعقول ولم يعد العلم بسيطا .. وقد كشف النقاب عن كون غامض مقدّرٌ لجزء منه أن يبقى غامضا ، كما وقذفنا بأحجيات لا يستطيع العلم حل ألغازها داخل أعمق أعماق الحقيقة. وهكذا أصبح العلماء أكثر تواضعا، وأخذوا يتحدثون عن الكون الغامض بدلا من حديثهم عن التقدم نحو المعرفة الكاملة. وإن الرجل العادي قد يحني حتى اليوم رأسه للعلم، ولكنه قد فقد مقدرته على فهمه.”2

لذلك فإن حاجة الإنسان إلى الأوامر الإلهية هي حاجة فطرية طبيعية، سواءً عبر عنها بشكل مباشر أم لا، يقول عبدالوهاب المسيري: ” يمكننا أن نقول إن الإله الخفي هو في واقع الأمر البحث غير الواعي للإنساني المادي عن المقدس ، بعد أن تصور أنه قد قتل الإله ، وأسس عالما زمانيا مكانيا لا قداسة فيه ولا محرمات ولا حرمات فيه… ويمكن القول بأن الفلسفة الهيومانية – الإنسانية – في الغرب بتأكيدها القيم الأخلاقية المطلقة ، ومقدرة الإنسان على تجاوز واقعه الطبيعي/ المادي ، وذاته الطبيعية المادية = تعبير خفي عن الإله الخفي وعن البحث غير الواعي من قبل الإنسان المادي عن المقدس ، فمثل هذه القيم ومثل هذه المقدرة ليس لها أساس مادي”3

هذه الحاجة ترتكز على حقيقة تتمثل في أن العقل الإنساني متطلب جدا في تساؤلاته واستشكالاته التي تصل إلى أماكن يعسر على الفكر الإنساني مجتمعاً أن يصل إليها ويفك أحجياتها.

مع هذا، فإن تياراً من مناوئي النبوة انتفضوا لمحاولة اقامة البدائل وسعوا في تأسيس بعض المسالك لضبط المعرفة البشرية بعيداً عن وحي السماء، وهذه المسالك والبدائل لا تخرج في مجملها عن مسلكين اثنين:

الأول: الاعتماد على العقل الإنساني.

الثاني: الاعتماد على المنهج العلمي الطبيعي.

قصور هذه المسالك:

لقد كان العقل أحد ملاذات الإنسانوية – على أقل تقدير في صورتها المعاصرة من عصر التنوير – كأداة مرجعية استبدلت توجيهات النبوة، وزعمت أن الإنسان أمام أحد خيارين لا ثالث لهما: إما أن يعمي نفسه ويسكت حججه وكل وجهات نظره، لكي يذل نفسه ويعدم نفسه تحت وزن السلطة الإلهية، فيضحي بالآلة التي تميزه عن البهائم، أي العقل. وإما أن يصغي لصوت العقل ويثور ثورة عارمة ضد هذه الحقائق التي هي غير قابلة للتصور، ويعتمد على أنوار الطبيعة لفهمها، فيضحي الإنسان أمام خيار مصيري: إما العقل أو الإيمان، إما المنطق أو الخرافة.4

ويمكن القول بأن الروح العامة لفلسفة التنوير كانت بطبيعتها عقلانية، وهذا يعني أن نموذج المفكرين والكتاب في تلك الفترة قد آمنوا بأن العقل البشري هو الأداة الملائمة والوحيدة لحل المشكلات المرتبطة بالإنسان والمجتمع، وكان كتاب عصر التنوير بوجه عام قد قصدوا بالعقل عقلاً غير مقيد بالإيمان بالوحي، وبالخضوع للسلطة والإذعان للتقاليد والمؤسسات القائمة؛ وحتى أولئك الذين أبقوا على الإيمان الديني، عملوا على تأسيسه على العقل فحسب، دون أن يضعوا في الحسبان الوحي الإلهي المسلم به.5 وأصبح الغرب يتبختر بهذا العقل، وأصبحت عقلانية وحيدة هي المقياس لباقي العقلانيات، فأصبحت نهضة الغرب عند الغربيين، تقرن بكونه يمتلك شغفاً بعقلانية لا توجد عند غيرهم، وأنها عقلانية تخصهم قد امتازوا بها عن باقي الأمم.6مع هذا فينبغي علينا أن ندرك “أن هذا العقل الأوروبي الغربي هو عقل حادث، يجوز عليه ما يجوز على غيره من النقد والتفكيك والتحليل”.7 فلا ينبغي أن نجعله مقياساً للقيم والعقول.

ويمكننا القول أن هذا العقل انتهى إلى تصورات ديكارت وكانط. ديكارت الذي كان مطمئناً إلى أحكام العقل إلا أنه كان اطمئناناً مشوباً بالتخبط والشك، فلم يكن العقل عند ديكارت واضح المعالم، فقد كان منطلق ديكارت هو الشك في كل شيء، حتى أحكام العقل الضرورية كانت محل شك وتكذيب، فكيف يستقيم الاحتجاج به وبأحكامه في تأسيس المعرفة؟8 وفتحت مقولات ديكارت أبواباً من الإشكاليات، فبدءاً بفصله للعقل عن الجسد وحكمه بأن العقل لا يؤثر في الجسد وأن الجسد لا يؤثر في العقل، فبدل أن يصل ديكارت لرفع مكانة العقل، جعلنا أمام طفرة تقفز على الواقع وتدفع للشك في وجود العالم الخارجي،9 وبدلاً من أن يؤسس للمعرفة الإنسانية أداة يقينية، أخذ بيدها إلى براثن الشك والتنكر لضرورياتها ووجودها.

ثم جاء كانط بفلسفته النقدية، فانتهى بعقله إلى التخبط والتناقض بدلاً من الخلاص والعقلانية المحضة، فقد وقع كانط في مجموعة من المآزق الفكرية، كتفريقه بين الأشياء بذاتها والأشياء بظاهرها، وزعمه أن العقل لا يدرك الأشياء إلا بظاهرها، إلا أن هذا الادعاء كان محل إشكال شديد، فإن كانط يسلم بوجود الشيء بذاته ولكنه يزعم أننا لا نستطيع أن نعرف عنه شيئاً، فبأي حق إذن يؤكد وجود هذا الشيء؟10

وكانت هذه النماذج والتصورات عن العقل منتجة لموجة من الشكوك الهدامة حول المعرفة بأكملها، وانتهى البحث المبالغ في الطموح عن معرفة آمنة تماماً، كما يحدث غالباً للمشاريع المبالغة في الطموح، في خيبة أمل ليس عن طريق المصادفة، ولكن لأن هذه كانت نهايته المنطقية.11

أما المسلك الثاني، فقد كان ناشئاً عن ردة فعل على التمسك بالأحكام العقلية المجردة التي أدت في نهاية المطاف إلى خيبة أمل كبيرة، وغني عن البيان أن الاتجاه العلمي – المعاصر منه خاصة – يولي نظرية التطور المكانة الكبرى فيما وصلت إليه معارف الإنسان، وإذا عدنا ونظرنا في مضامين البيانات الإنسانوية وتنظريات الإنسانويين المعاصرين،12 فإنهم يؤكدون أن نظرية التطور الدارويني تعد أساساً يصنع تصورات الإنسان اليوم بعيداً عن ما يقوله الدين، وهذا يدفعنا مجدداً للتساؤل عن قيمة العقل والتقريرات العقلية في ظل هذه النظرة التطورية.

إلا أن هذه القيمة المنبثقة من التطور الدارويني كانت محل شك فظيع من داروين نفسه، حيث قال: “إن شكاً فظيعاً ينتابني دائماً وبشكل متكرر حول قناعات عقل الإنسان – والتي بدورها تطورت من عقول كائنات أدنى – هل هذه القناعات تحمل أي قيمة أو تستحق أدنى ثقة؟ هل من أحد يثق بقناعات عقل القرد؟ في حال أن عقلاً كهذا يحمل قناعات أصلاً!”13

وكذلك أثار هذه الإشكالية الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل حيث قال: “وما الحاجة إلى استثارة التناقضات، والحال أن المنطق نفسه موضع سؤال، وأنه قد أصبح مشكلاً. إن الدلالة الواقعية للقانون المنطقي التي لا يضعها الفكر الطبيعي موضع سؤال تصبح الآن أمراً مشكلاً ومدعاة للريب، قد تعرض للخاطر بعض الأمور من علم الحياة، فنذكر نظرية التطور الحديثة حيث نما الإنسان في كفاحه من أجل الوجود بحسب الانتقاء الطبيعي، فنما معه عقله بالطبع ومع العقل سائر الصور التي هي أخص به، ولا سيما الصور المنطقية. ألا يدفعنا ذلك إلى القول إن الصور والقوانين المنطقية إن هي إلا سمة عارضة للنوع البشري، وإنها قد تكون مختلفة، وتصير كذلك في سياق التطور المقبل؟”.14

إذن فإن الاعتماد على هذه المسالك بعيداً عن توجيهات السماء ستورث الشك بلا شك!

هذا الشك ضاق معناه أو اتسع سيشيع الحيرة في العقل ويثير القلق في النفوس، والناس بطبيعتهم لا يستريحون له مع ما يتضمنه في ظاهر الأمر من راحة بال واطمئنان نفس، والعدول عن طمأنينة اليقين إلى قلق الشك لا يمكن أن يدوم، ومن هنا كانت كل مرحلة من مراحل الشك تليها مرحلة يقيت تشتد فيها الدعوة إلى يقين العقل واطمئنان القلب، يشهد بهذا تاريخ الشك نفسه.15

فمن أين لنا أن نحصل على يقين لمعارفنا إن كانت هذه هي صورة مسالك العقل والعلم ومنتجاتها فيما يخص المعرفة الإنسانية؟!

يقول فتجنشتين النمساوي الشهير: ” ينبغي أن يأتي الإدراك بالعالم ومعناه من خارج العالم ذاته، ففي العالم كل شيء على ماهيته ، وكل شيء يحدث كما يجب عليه أن يحدث. فيه لا توجد قيم، وحتى وإن وجدت ، فلن تكون لها قيمة. يتحتم على وجود أي قيمة ذات معنى أن تكون خارج حيز هذا العالم وما يحدث فيه… إن معنى العالم لا بد أن يقع خارج العالم وهناك في الداخل لا توجد قيمة على الإطلاق، وإن وجدت فإنها ينبغي أن تكون بلا قيمة ! بإمكاننا طبعا ، اتباع نظام أخلاقي في حياتنا ؛ بإمكاننا أيضا استقطاب الآخرين لمنظوماتنا الأخلاقية تلك بأن نكون قدوة لهم ، أو بمساعدتهم على إطلاق مشاعرهم الدفينة والمتجاهلة. وبإمكاننا أيضا تقديم توصيف لمختلف أنواع السلوك الإنساني الذي قد يؤدي إلى ضرر المجتمع وسلامته ، لكن لا يمكننا أبدا تقديم حجج وأسباب منطقية للواجبات الأخلاقية. ومن الواضح أن الأخلاق لا يمكن وصفها بالكلمات “16

إذن فإن هذا الكائن الأخلاقي، الذي يبحث عن ماهيته وعن قيمته هو بحاجة بتوجيهات سماوية، ولا يمكن له أن يستغني عن المدد الإلهي لأسباب نوجزها:

أولها: أن الكثير من القضايا تنأى بطبعها عن جنس مدركات العقول؛ وفي نفس الوقت تلح على العقل والفكر لإيجاد إجابة عنها، فما غاب عن مدركات العقل والحس فلا يمكن أن يتوصل إلى جواب عنه إلا عن طريق جواب خارجي المتمثل بالوحي. وهذه الأسئلة ليست أسئلة تلح على عقل المؤمن بالله والدين، بل إن جل الربوبيين يؤمنون بحياة بعد الموت للجزاء، إثابة وعقاباً.17

ثانيها: وجود الحاجة البشرية للقيم والأخلاق، واكتساب الحق والفضيلة والسعادة، ودفع الاختصام وتنظيم الحقوق والواجبات، وهذه الحاجة لايمكن أن تنظم إلا من خارج هذا العالم كما ذكر فتجنشتين. فالعقل البشري ينظر إليه غير المؤمنين على أنه مكون طبيعي سالك في طريق التصور البيلوجي التطوري للإنسان، هذا التصور الذي يرى أن الدماغ يعمل ضمن وظيفته التطورية لتحقيق البقاء ومقاومة عوامل الانقراض، فيكون مقياس النجاح فيه هو في تحقيق هذه الأهداف البيلوجية؛ لا بلوغ الحقيقة.18

وخلاصة الكلام.. الإنسان محتاج إلى النبوة، ولا يستغني عنها بعقله، لأنه بلا نبوة يزل عقل العاقل، وينحرف خلق الطامع في الاستقابة، وتذبل الروح؛ إذ تشقى بظمئها الصادي إلى معرفة خالقها..19

1 انظر مقال: مجتمعات بلا إلحاد.. الدين كمتلازم للمجتمعات الإنسانية

2 سترومبرج ، دونالد ، تاريخ الفكر الأوروبي الحديث ، ص515

3 المسيري ، د. عبدالوهاب ، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ، ص189،.

4 محمد المزوغي، تحقيق ما للإلحاد من مقولة، م2014،85 بتصرف.

5 كوبلستون، فردريك، تاريخ الفلسفة، ترجمة إمام عبدالفتاح إمام، 61.

6 انظر: الشهري، عبد الله، ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان،ص101

7 انظر: الشهري، عبد الله، ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان،ص105

8 انظر: الكرساوي،أحمد، مدخل إلى نظرية المعرفة، 68.

9 انظر: الشهري، عبد الله، ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان،ص121

10 التطور المبدع، هنري برجسون ص187

11 ميدجلي،ماري، الأحكام الأخلاقية؟ مدخل ميسر لأهم مسائل الفلسفة الأخلاقية،226

12 انظر: الرماح، إبراهيم بن عبدالله، الإنسانوية المستحيلة: إشكالية تأليه الإنسان وتفنيدها في الفكر المعاصر،ص34.

13 “But then with me the horrid doubt always arises whether the convictions of man’s mind, which has been developed from the mind of the lower animals, are of any value or at all trustworthy. Would any one trust in the convictions of a monkey’s mind, if there any convictions in such a mind?” Francis Darwin, The Life and Letters of Charles Darwin, New York, Published by Appleton and Company ,1887 ,285.

14 إدموند هوسرل، فكرة الفينومينولجيا: خمسة دروس، 2007، 54.

15 انظر: الطويل، توفيق، أسس الفلسفة، الطبعة الثالثة، 247 بتصرف.

16 “The sense of the world must lie outside the world. In the world, everything is as it is, and everything happens as it does happen; in it no value exists—and if it did exist, it would have no value. If there is any value that does have value, it must lie outside the whole sphere of what happens and is the case. For all that happens and is the case is accidental. Therefore, there cannot be propositions of ethics. Propositions can express nothing that is higher. We can indeed follow a system of ethics in our lives; we can also attract others to it by our example, or by helping them to bring out neglected feelings and suppressed urges. We can also describe what kinds of behavior are prejudicial to the security of human society, but we cannot by logical means give reasons for a moral obligation. It is clear that ethics cannot be put into words”

Hulster,Friedrich , Introduction to Wittgenstein’s Tractatus Logico – Philosophicus , Translated from the German By: W.E. O’Hea ,Edited ny Ingrid Truemper and Klaus Truemper , Library of Congress, 2015 , Pdg:98-99

17 سامي عامري، براهين النبوة، ص31

18 سامي عامري، براهين النبوة،ص35

19 سامي عامري، براهين النبوة، ص30

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى