مقالات

عن شبهة: لماذا خلقنا الله وهو لا يحتاج إلينا؟ – الجزء الأول

(سؤال يبحث عن جدواه)

يكثر عند تقرير الغاية التي أوجد الله من أجلها الخلق، كما قرّرها في كتابه: “وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون”، مع تقرير أن الله لا تنفعه عبادة واحد من الناس ولا تضره معصيته أو كفره أن يعترض قائل: وما الحكمة إذًا من أن يخلقنا الله وهو لا يحتاج إلينا ولا إلى عبادتنا؟.

وهو سؤال نحاول معالجته فيما يلي.

— فخّ الافتراضات المبطنة:

كل سؤال، أيًا كان محتواه، يحتوي على افتراضات مبطنة، وله بنية فيها مقدمّات غير منطوقة يمكننا الكشف عنها، فهذا السؤال مثلًا يمكن تفكيك مقدّماته إلى المقدمات التالية:

1- فعل الإنسان وطلبه مردهما إلى سد الحاجة (مسكوت عنها)

2- وإذًا كل فعل وطلب مردهما إلى الحاجة.

3- فإن كان الله: يفعل (خلقنا) أو يطلب (منّا العبادة).

4- إذًا: فهذا لا بد أنه نابع من حاجة.

5- نتيجة ذلك إذًا: هي أن الله إما أنه خلقنا “لحاجة” /أو أنه خلقنا “عبثًا” أو بلا هدف إذا لم توجد حاجة.

دعني إذًا أفاجئك أن هذه المقدمات غير صحيحة، بدءًا من الأولى!، فمن ذا الذي يظّن أن رجلًا يطعم عصفورًا لأنه يحتاج إلى ذلك؟، ومن ذا الذي يظّن أن فنانًا يرسم لوحة لأنه “يحتاج” إلى ذلك، لا يتطوّع أحدنا بإنقاذ شخص في موقف خطر لأنه “يحتاج” إلى ذلك، لا يطلب الطبيب من المريض أن يفتح فمه لأنه “يحتاج” إلى ذلك، إن مفهوم “الحاجة” مفهوم ضيّق جدًا لتفسّر به سلوكيات البشر نفسها، صحيح هناك “أسباب” متعددة لهذه الأفعال، لكنها في الأساس ليست “الحاجة” وحدها التي تفسّرها.

فإن كانت إذًا المقدمة الأولى غير عامة على البشر، فكل ما سواها في هذه السلسلة – وهو مبني عليها – غير صحيح أيضًا.

دعنا إذًا ننتقل إلى التي تليها والتي قفزت من ملاحظة الإنسان -التي أثبتنا خطئها أعلاه- إلى التعميم حول كل “فعل” وكل “طلب”، ويحقّ لنا أن نسأل: بأي ذريعة وبأي دليل وبأي قياس يمكن أن يعمم فعل البشر على ما سواه أيًا كان، ما الذي يجعل دافعًا سلوكيًا عامًا في البشر عامًا في كل الموجودات؟، هذا أيضًا تقرير يحتاج إلى استدلال، والسؤال هنا: كيف ستقيس المخلوق بالخالق في هذه الحالة؟، أعرفت ذات الخالق ووعيتها وعرفت حقيقتها حتى تقيسها على الإنسان؟ ، طبعًا لا أحد يعرف، فإن كان ذلك كذلك، فاحذر فخّ الأنسنة!، أن تتصور أن الله تعالى ينطبق عليه ما ينطبق على المخلوقين من بني البشر، وأن نحاكم أفعاله إلى أفعالهم ونقارن بينهما، فتصرّف “الخالق” في ملكه، مختلف عن تصرّف المخلوق في المخلوق، “إن هذا الذي يعترض على الإله أنه يطلب العبادة إرضاء لحاجة أو نقص، إنما يقدّم اعتراضه لأنه مسكون بنزعة الأنسنة، فهو لا يسمح لعقله أن يتصوّر أن الطلب لا تحرّكه رغبة استكمال الحاجة وسد ثغرة، فالإنسان لا يتحرك عادة للطلب إلا ليسد نقصًا ويكمل ناقصًا، ولذلك يظن المعترض أن هذا الأمر مطرّد في كل طلب، وفي كل عالم.، وصواب الأمر هو أن نقول: “معرفة النوازع أو المقاصد من معرفة طباع الذات”، وإذا كانت معرفتنا بطبيعة ذات الإنسان تسمح لنا أن نقول بعلم وجزم إن لطلب الشيء عادة أسبابه التي تحمل فائدة للإنسان: كسبًا لخير أو دفعًا لشر، فإن مدّ هذه الدعوى إلى الذات الإلهية باطل لجهلنا جوهر هذه الذات، وما نعرفه عنها من العقل والنقل ولا يسمح لنا أن نتوهم في الفعل تكملة للذات”، هذا فضلًا عن كوننا ندرك بالبداهة العقلية أن الإله المحتاج لا يكون إلهًا، فالاحتياج علامة نقص، والنقص لا يكون لإله كامل، وبهذا نكون قد أثبتنا خطأ الافتراضات 2،3،4.

نأتي الآن للنتيجة الأخيرة، والتي نجد فيها أيضًا مغالطة، فنقيض “العبث” ليس “الحاجة” بل “الحكمة”، وكما هو مقرر: فـ”عدم العلم ليس علمًا بالعدم”، فكوننا لا ندرك حكمة الله من فعل معيّن لا يعني بالضرورة أنه بلا حكمة فضلًا عن كوننا ندرك حكمة الله في قدر متعاظم من الأفعال والمخلوقات، وبالتالي نقيس هذه بتلك.

— سؤال يبحث عن جدواه!

إن فككنا السؤال إذًا، فيحق لنا أن نسأل سؤالين: من يوجه هذا السؤال؟، وما فائدته؟

أما من يوجهه، فلأنه إن كان ملحدًا فهذا سؤال لا معنى له عنده، إذ أن الله جلا وعلا غير موجود أصلًا بالنسبة له، فما معنى أن تسأل عن فعل شيء غير موجود بالنسبة لك إلا العبث أو التشغيب؟

أما المؤمن، فهو يعرف أن لله حكمة في كل شيء، وهو موقن بهذا، فلا يبحث خلف كل حكمة تفصيلية لكل فعل إلهى، إذ هو يعرف جيدًا قوله تعالى: “ولايحيطون به علمًا”، فالخلاصة هنا: أنه سؤال قليل الجدوى، بالنسبة للملحد وللمؤمن على السواء، بل ولأي أحد، فما نعرفه حقّ المعرفة هو أننا خلقنا، وانتهى الأمر!، السؤال الأهم هنا: ماذا سنفعل وإلى أين سنذهب؟، وهذا السؤال الذي نملك إجابته بشكل واضح والذي أطلعنا الله عليه وذكّرنا به كثيرًا.. ونناقش في الجزء الثاني هذا السؤال في ضوء الكلام عن حكمة الله بشكل عام وكيف يتعامل المؤمن مع مثل هذا، إذ كما سبق وقلنا: لا تعلّق للملحد بهذه القضية، فبعد أن نثبت وجود الله يمكننا أن نتكلم فيما تلاه من صفاته وأفعاله، أما إنكار الوجود ثم الكلام في الصفات فهو ضرب من قراءة الصفحة بالمقلوب!

تعليق واحد

  1. بارك الله وبركاته ونفع بكم والله مركز
    رواسخ يفتح لنا الآفاق والاذهان ويسهم في رقينا ورفع مستوانا الثقافي والفكري فضلا عن انه يزيد من إيماننا بديننا الاسلامي
    يرد الشبهات عنه بخطاب معاصر و اسلوب علمي راقي يعطي كل ذي حق حقه
    بأنه يعطي للكتاب والسنه في الرد بل ولا يكتفي بذلك بل يجعل للمنطق والعقل و العلم الحديث سلاحا في الرد على الملاحدة والحداثيين والعلمانيين بكتبهم و أسلوبهم وطرقهم .وهذا ما نحتاج إليه في وقت انتشر به الإلحاد واللادينيه والعلمنه ونجرف كثير من الشباب في هذا المنحدر الخطير والمنزلق المظلم
    جزاكم الله عنا كل خير ونفع بكم

    اخوكم : امجد محمد آل بو دريجه الدوسري
    العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى