مقالات

ما بعد الهروب.. كيف تتحول حياة المهاجرين إلى كابوس؟

تتبلور دائماً فكرة الهجرة إلى دول الغرب باعتبارها خطوة النجاة الأخيرة، الجزء المضيء في نهاية النفق كما يتخيله الكثيرون، لكن الساحة المضيئة في دول الغرب ليست دائماً كما يتخيلها أفضل الحالمين.

فسواء كانت الهجرة إلى بلاد الغرب شرعية أو غير شرعية، إلا أن الرجل الأبيض لا يفضل عادة أن يحل ضيوف من عرقيات وأجناس مختلفة إلى أرضه، كثيراً ما تكون النتيجة تخالف التوقعات الوردية.

كابوس أرض الأحلام

هكذا يسميها الكثيرون قبل الترحال إليها، الولايات المتحدة التي تقدم نفسها دائما باعتبارها أرض الحرية والمساواة بين البشر، والتي تمتلك في الحقيقة واحدة من أبشع السجلات الإجرامية في مراكز احتجاز المهاجرين على كافة حدودها.

فمراكز الاحتجاز الممتدة على الحدود الأمريكية تتعامل مع المهاجرين غير الشرعيين أو من يحاولون دخول الأراضي الأمريكية عبر الحدود البرية بطريقة ربما لا تتلقاها الحيوانات في ظل العالم الأمريكي المتحضر.

حيث اتهمت المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة (1) مراكز الاحتجاز الحدودية الأمريكية بإجبار الأطفال من العائلات المهاجرة بالنوم على الأرضيات في مجموعات ضخمة بجوار بعضهم البعض دون الحصول على طعام مناسب أو رعاية صحية، ولمدد احتجاز طويلة بالمخالفة لقوانين اللجوء.

لم يكن ذلك وحده كافياً، ففي سياق الحديث نفسه أشير إلى إن المحتجزين داخل المراكز الحدودية الأمريكية يتعرضون بشكل دوري للعنف والضرب والإهانات، أما عن الأطفال فقد جرى الإبلاغ عن تعرض أكثر من 4500 طفل (2) للاعتداء الجنسي داخل مقرات الاحتجاز الحدودية الأمريكية على مدار 4 سنوات.

وقد كشفت هيئة توطين اللاجئين التابعة لوزارة الصحة الأمريكية أن الاعتداءات التي تعرض لها الأطفال شملت الأطفال الذين دخلوا الحدود وحدهم أو مع ذويهم وجرى فصلهم عنهم، وتعرض العديد منهم سواء كانوا قصر أو بالغين إلى اعتداءات جنسية مستمرة.

وإمعاناً في سياسة الإذلال الأمريكية فقد جرى فصل 2700 طفل (3) عن عائلاتهم من مقرات الاحتجاز تحت مسمى أنهم غير مناسبين لاحتضان أولئك الأطفال وإعطائهم لأسر أمريكية تتولى تربيتهم.

في السياق نفسه واجه النساء والفتيات صغيرات السن كابوساً من نوع خاص، حيث واجه المهاجرات من دول أمريكا الوسطى مثل جواتيمالا وهندوراس وغيرها خياراً للعبور وعدم الاحتجاز في مراكز الدولة الحدودية عبر التعرض للاغتصاب من المهربين لمدد طويلة أو من ضباط الحدود أنفسهم، وقد كشفت صحيفة النيويورك تايمز (4) نقلاً عن نواب في الكونجرس الأمريكي أن أعداد تلك الحالات ضخمة للغاية، وأن الموثق منها قليل جداً ويأتي معظمه عبر اللواتي يقررن الإبلاغ عما تعرضن له بعد الدخول إلى الأراضي الأمريكية، لكن كثير منهن يتراجعن عن تلك الخطوة ولا يقمن بالإبلاغ مما يجعل الجريمة مخفية للأبد.

أوروبا البيضاء

على الناحية الأخرى وفي قارة أوروبا يواجه المهاجرون كابوساً من نوع مختلف على النقاط الحدودية، حيث يتعرض الكثير منهم للضرب والتنكيل من القوات الشرطية بجانب استخدام أساليب مختلفة في التعذيب كالتجريد من الملابس وسكب الماء البارد فوق أجسادهم ومهاجمتهم بالكلاب الضارية.

وعلى عكس ما يتخيل الكثيرون من إن هذه الدول توفر للمهاجرين السبل القانونية للدفاع عن أنفسهم وتحريك دعاوى قضائية للحصول على اللجوء، إلا أن الواقع يخبرنا أن الترحيل الإجباري من تلك الدول يجري دون إعطاء أي فرصة للمداولة القانونية.

يروي “مالك” (5) وهو مهاجر أفغاني حاول دخول المجر رفقة مجموعة من المهاجرين عبر الحدود البرية، أن القوات الحدودية أجبرتهم على نزع ملابسهم والجلوس في الجليد، وضربوا من رفض منهم كما سرقوا أموالهم وحطموا هواتفهم الجوالة ليقطعوا عليهم أي سبيل للتواصل مع أي جهة قانونية في أي مكان.

مطاف معقد

تبدو الصورة في سياق الهجرة معقدة للغاية، فالمهاجرون لا تقابلهم أنماط حياة وردية وسهلة معبدة بطرق النجاح كما تقدم الأفلام السينمائية، فهم وفي اللحظة التي يقررون فيها الرحيل إلى بلاد غريبة بحثاً عن حياة أفضل، تصطدم أحلامهم بالواقع الذي تفرضه الدول الغربية على زوارها من إجبار على الامتثال لقواعد ومحددات من شأنها عاجلاً أو أجلاً أن تنزع عن صاحبها صلابة عقيدته الدينية ليستطيع التماهي مع الواقع الجديد، والذي يرفضه كمسلم ويكتفي بالإعلان عن التضامن معه عبر وسائل الإعلام تحت مسميات الحرية والمساواة.

تتمثل التعقيدات التي تواجه المهاجرين إلى الدول الغربية في عوامل مختلفة كذلك مثل الحصول على عمل والنجاة من براثن اليمين المتطرف الذي تزايدت قوته بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا.

ففي دراسة موسعة أجرتها المنظمة الدولية للهجرة، كشفت أن المهاجرين (6) يمثلون الفئات الأكثر عرضة للوقوع في شرك العمل القسري بأجور زهيدة، كما أن فئات عديدة منهم يسهل وقوعهم ضحايا جرائم الإتجار بالبشر وذلك بسبب صعوبة الظروف الحياتية التي يواجهها المهاجرون والتي تفرض عليهم أحيانا القبول بأمور أكبر من قدرتهم النفسية والجسدية فقط من أجل البقاء والهرب من كابوس الترحيل والخروج من البلد المهاجر إليها.

على الجانب الآخر من الأزمة يبدو التعرض لهجمات اليمين المتطرف، واحد من أكبر المخاوف التي تواجه المهاجرين في السنوات الأخيرة خاصة بعد تزايد حوادث الاعتداء على السيدات المسلمات لارتدائهن الحجاب في الأماكن العامة من قبل عناصر اليمين المتطرف، بجانب رفض العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة وكذلك المدارس ارتداء الحجاب أو ممارسة الشعائر الإسلامية، بل وصول الأمر في النهاية إلى وقوع هجمات متكررة على مراكز إقامة المهاجرين بشكل دوري من عناصر اليمين الذين تتمثل رؤيتهم في طرد أي مهاجر خارج أرضهم.

يكمن التعقد في النهاية في الدائرة ما بين اختيار المهاجر الخروج إلى بلد لا يعرف عنها شيء من أجل الحصول على حياة أفضل، متجاهلاً كافة المخاطر التي تقعده عن قراره، متسلحاً بأحلام وطموحات، وما بين الواقع المأساوي الذي يعانيه الكثير من المهاجرين في بلاد ظاهرها قبول الآخر وباطنها ازدواجية المعايير.

(1)https://news.un.org/en/story/2019/07/1041991

(2)https://www.nytimes.com/2019/02/27/us/immigrant-children-sexual-abuse.html

(3)https://www.nytimes.com/2019/02/26/us/politics/family-separation-policy-subpoena.html

(4)https://www.nytimes.com/2019/03/03/us/border-rapes-migrant-women.html

(5)https://www.oxfam.org/en/europes-borders-migrants-and-refugees-are-denied-their-basic-human-rights

(6)https://reliefweb.int/report/world/migrants-and-their-vulnerability-human-trafficking-modern-slavery-and-forced-labour

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى