مقالات

مجتمعات بلا إلحاد.. الدين كمتلازم للمجتمعات الإنسانية

قد يبدو للحظة الأولى أن البحث عن علاقة بين النبوة والتاريخ الإنساني هو ضرب من العبث، فموضوع التاريخ هو التطور والتغير والزمان[1]، وهذا لا ينطبق على النبوة  والدين، اللهم إن كنا نقول أنه تجري عليها قوانين التطور الإجتماعي والذي سنشير لبطلانه في ثنايا هذا المقال. ولكننا ننظر إلى التاريخ من زاوية أخرى، ننظر إليه على أنه ” ليس معرفة وتأملاً فحسب، بل هو كذلك مكون للهوية الخاصة بكل فرد مثلما هو لكل جماعة” وعليه فإن معرفتنا بموقع الدين في تاريخ البشرية وتشكيل الإنسان، سيساعدنا على فهم القيمة التي يقدمها وضرورة وجوده، وأنه ليس ضرباً من ضروب الأفكار اللامعقولة أو الخرافات، بل هو المكون الرئيسي للمجتمع الإنساني، ولا يكاد ينفك عنه أبداً؛ وإن كان الدين يشكل هذه القيمة فإنه ينبغي علينا أن لا نتجاهله بحال من الأحوال.

من خلال استقراءنا للتاريخ نجد أن النبوة – متمثلة في الدين – كانت عنصراً ضرورياً لاستقامة عيش النوع الإنساني، وأنها كانت استجابة لحاجة ملحة جداً في حياة الإنسان، هذا الاحتياج الذي لا يقل عن باقي الضرورات الحياتية الأخرى التي لا يمكن أن تستقيم الحياة إلا بها، فالإنسانية في حاجة دائمة إلى التدين، وهي في كل أحوالها مفتقرة إليه، وهذه الحاجة لم تكن يوماً حاجة ثانوية هامشية، بل حاجة رئيسة أصيلة.[2] ويؤكد الفلاسفة على حقيقة ” أن جوهر الدين ثابت بثبات جوهر الطبيعة البشرية ذاتها، فالدين في الحقيقة صفة ذاتية مميزة للطبيعة البشرية”[3]  وإن كانت ثمة مجتمعات ما قد خلت من نوع من التدين، فيمكننا القول بأن هذه الحالات نادرة الوقوع، ولا يزال الاعتقاد القديم بأن الدين ظاهرة تعم البشر جميعاً = اعتقاداً سليما؛ وهذه، في رأي الفيلسوف، حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية.[4]

لقد حاول بعض الفلاسفة الترويج إلى أن هذه الديانات والمعتقدات ما هي إلا منظمات مستحدثة وأعراض طارئة على البشرية، حتى قال فولتير: إن الإنسانية لا بد أن تكون قد عاشت قروناً متطاولة في حياة مادية خالصة، قوامها الحرث والنحت والبناء والحدادة والنجارة قبل أن تفكر في مسائل الديانات والروحانيات، بل قال: إن فكرة التأليه إنما اخترعها دهاة ماكرون من الكهنة والقساوسة الذين لقوا من يصدقهم من الحمقى والسخفاء.

هذه النظرة الساخرة إلى الأديان ليست مبتكرة، فقديماً زعم السوفسطائية أن الإنسان كان في أول نشأته يعيش بغير رادع عن قانون ولا وازع من خلق، وأنه كان لا يخضع إلا إلى القوة الباطشة ثم كان أن وضعت القوانين، ومع انتشار الجرائم السرية، قام بعض العباقرة بإقناع الجماهير بأن في السماء قوة أزلية أبدية ترى كل شيء، وتسمع كل شيء وتهيمن بحكمتها على كل شيء.  ولكن سرعان ما تلاشى هذا الاعتقاد، وتبين أن فكرة التدين فكرة مشاعة لم تخل عنها أمة من الأمم في القديم والحديث، رغم تفاوتهم في مدارج الرقي ودركات الهمجية، وجاء في معجم لاروس للقرن العشرين: إن الغريزة الدينية: مشتركة بين كل الأجناس البشرية حتى أشدها همجية، وأقربها إلى الحياة الحيوانية، وإن الاختمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية، وإن هذه الغريزة الدينية لا تختفي، بل لاتضعف ولا تذبل، إلا في فترات الإسراف في الحضارة وعند عدد قليل جدا من الأفراد” [5] ويوجز المؤرخ بلوتارك تلازم التدين للمجتمعات الإنسانية بقوله: ” من الممكن أن نجد مدناً بلا أسوار، ولا ملوك، ولا ثروة، ولا آداب، ولا مسارح، ولكن لم ير إنسان قط مدينة بلا معبد، ويلا يمارس أهلها عبادة.” وبعبارة أخرى ” قد نرى في السابق أو في الحاضر مجتمعات إنسانية لا حظ لها من علم أو فن أو فلسفة، ولكننا لا نعرف قط مجتمعاً لا دين له”[6]

لقد حاول بعض الفلاسفة والمنظرين أن يشير إلى الدين كمخلف من مخلفات التطور الإجتماعي، فقد قاد بعض فلاسفة علم اجتماع، حملة مليئة بالتوهّم حول نشأة الدين تبدأ مع العقل البدائي الذي كان يرى في نمو الشجرة سراً إلهياً، أو يداً إلهية في حمل الجنين أو ولادته، أو في الطوطم موحداً للقبائل في أستراليا، لقد كانت هذه القصص تحكي لنا كيف تطورت الألهة من خيالات وأرواح، إلى صورة حيوانية، فأصبحت كثير من الحيوانات محل عبادة الإنسان القديم، حتى لم يبق حيوان في الطبيعة من الفأر إلى الفيل لم يكن في بلد ما موضع اعتباره إلهاً، وبقيت هذه الاعتقادات راسخة حتى أثرت على العقائد الدينية الأخرى، وكانت الحمامة والسمكة رمزاً من من رموز العقيدة المسيحية إبان نشوئها.[7]

ولكن هذه الحملة سرعان ما تم التشكيك بمصداقيتها، فقد كانت قائمة على مجموعة من المغالطات، سواء على صعيد نقص المعلومات أو فقر الأدوات البحثية، إلا أن فكرة التطور باتجاه خطي تقدمي مستمر، وأن الإنسان اليوم هو في مرتبة أعلى فكرياً من الإنسان القديم، كانت قد حظيت بجدل كبير وتشكيك واسع. “ففي وقت مبكر، سيطر على تفكير علماء الاجتماع تصور بأن الإنسان والمجتمع يتقدمان في خطوات محددة من التطور المؤدي إلى صورة كبيرة من التعقيد المتزايد ووصولاً إلى مرحلة نهائية من الكمال.. ولكن وفي السنوات الأخيرة لم يعد العديد من أنصار نظرية التطور، سواء في العلوم الطبيعية أو الاجتماعية يؤمنون بأن نظرية التطور تعني التقدم الموحد من أحوال منقوصة في الماضي إلى مراتب مثلى وكاملة في المستقبل.. فالغالبية العظمى من رواد منظري التطور الذين حضروا أحد المؤتمرات الدولية الكبيرة عن التقدم التطوري في عام 1988م عارضت الرأي القائل بأن التطور تقدمي وأن البشر في طليعة التطور على هذا الكوكب” [8] فأخلاق الإنسان الحديث ليست بالضرورة أسمى من أخلاق البدائي[9].

إن كثيراً من العلماء ينظرون إلى الحضارة المعاصرة على أنها وجه لبربرية جديدة، كمأ أنه في العصور المتأخرة ظهر لهم أن الأسس الاقتصادية والاجتماعية التي تقوم عليها الحضارة هي أسس بطبيعتها فاسدة ومفسدة، وأن البربرية قد خرجت من رحم الثورة الصناعية.[10]

ولنعد الآن  لادعاء فولتير بأن القساوسة هم اختلقوا الدين، وأن الحمقى والمغفلون هم من اتبعوهم في ذلك، فنجد أنه، وفضلاً عدم وجود مستند لادعاءه، إلا أن الواقع يكذبه “فإن الكاهن لم يخلق الدين خلقاً، لكن استخدمه لأغراضه فقط، كما يستخدم السياسي ما للإنسان من دوافع فطرية وعادات؛ فلم تنشأ العقيدة الدينية عن تلفيقات أو ألاعيب كهنوتية، إنما نشأت عن فطرة الإنسان بما فيها من تساؤل لا ينقطع وخوف وقلق وأمل وشعور بالعزلة؛ نعم إن الكاهن قد أضر الناس بإبقائه على الخرافة وباحتكاره لضروب معينة من المعرفة، لكنه مع ذلك عمل على حصر الخرافة في نطاق ضيق”.[11]

ولنسأل فولتير الآن عن خدمه وأبناءهم أين يذهبون؟ وماذا كان يفعل هو في أيام الأحد؟ فنجد أنه كان يدفع بهم إلى الكنيسة بانتظام ويدفع أجور تعليم أبنائهم قواعد الديانة، وكان يحضر فولتير قداس يوم الأحد ويقوم بنفسه بعملية البخور باعتباره سيد القرية. وربما قصد بجزء كبير من هذه التقوى والورع أن يكون قدوة حسنة لأهل قريته، ويشجعهم على إيمان قد يحد من جرئمهم ويصون ممتلكاته.[12] ولكنه كان يعلم أن الإيمان ضروري لضبط الأخلاق في المجتمع، فالناس ليسوا أخياراً بالفطرة بل على العكس تماماً فإن الأصل في بني آدم الظلم والجهل[13]، ولا حاجة لنا بالاتيان بشواهد من كلام الفلاسفة على ذلك، فالواقع خير شاهد.

ثم إن رجعنا للادعاء القائل بأن الدين مليء بالخرافة والجهل ومصادمة العلم، فنحن واثقون من أن الدين إن كان قد بدأ بالخرافة فإنه سينتهي بظهور العلوم وتقدمها؛ ولكننا نشهد العكس تماماً، فإن إنسان اليوم مع شعوره بالاقتدار والسيطرة على أنحاء هذه المعمورة عبر السيطرة التقنية على الطبيعة وشعوره بعدم الاحتياج للاعتماد على قوى فوق طبيعية ومعاداته للإيمان؛ فإن العالم – على عكس ما يشاء الإنسان –  يشهد صحوة دينية في صدمة ومخالفة للتوقعات العلمانية الواثقة بذهاب الدين وتبدده، وأصبحت عبارة “الدين لن يذهب” كما عبرت كارن أرمسترونغ أكثر صدقاً وواقعية من نقيضها.[14] وتشير الإحصاءات إلى أن الغرب اليوم مع اتجاهه نحو علمانية أوسع، إلا أن الدين هو الآخر في نمو سريع ومستمر.[15] وبدأ الحديث اليوم يتجه نحو إعادة السحر إلى العالم – في مقابل ما زعمه ماكس فايبر من نظرية فك السحر أي الدين عن العالم -، وبداية حركة الإحياء الديني، وبدا عالمنا اليوم عالماً متديناً باهتياج كما كان من قبل، وفي بعض الأماكن أكثر مما كان، وأضحت عودة الدين من المنفى مفاجأة كبيرة في أوساط الباحثين، بسبب اعتقاد مشترك على نطاق واسع أن الدين قد فقد سلطانه على السياسة، وأنه قد فقد أثره في نهاية المطاف في المجالات العامة.[16]

إن الإنسان بفطرته كائن متأله متعبد، فالعبادة لغة الوجود ومحل كمال العقل[17]، ولذلك فإنه يمكن للإله – في غياب الوحي الصحيح- أن يكون أي شيء.[18] وعلى ضوء هذا نفهم مقولة فولتير الشهيرة: “إذا لم يكن الله موجودًا، فسيكون من الضروري اختراعه” فإنه وإن كان ناقداً صارخاً للدين المؤسسي، إلا أنه كان مدركاً لضرورة الإيمان بالله لضبط المجتمع.

وينبغي أن نختم بأمر مهم، وهو أن الإنسان – الربوبي في أدنى حالاته الإيمانية – لا يمكن له أن يسلم بخلو هذا العالم عن الوحي والنبوة، فإن الإيمان بالإله الكامل القدير الحكيم، يمنع أن يجعل هذا العالم بلا رسالة توجه فيه علاقات الإنسان مع بعضهم البعض، وهذا من باب قياس الأولى، فإن كان الإله قد ضبط هذا العالم ومخلوقاته التي هي أدنى من الإنسان قدراً ووعياً، بقوانين وأنظمة وغرائز تحافظ على معاشهم وحياتهم، فإنه من باب أولى أن يضبط للإنسان حياته وأن يرشده بعد أن ثبت عجزه عن القيام وحده وتدبير أموره بنفسه خاصة فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي وهكذا كان الإيمان بالوحي والنبوة فرعاً عن الإيمان بالله وصفاته من جهات مختلفة، على رأسها جهتي الحكمة والعلم. ولنا أن نقتبس ونستعير عبارة الفيلسوف الألماني الشهير إيمانويل كانط حيث قال: “شيئان اثنان يملآن العقل بإعجاب ومهابة متجددين ومتزايدين، كلما كررنا النظر فيهما، الأفلاك المرصعة بالنجوم فوقنا، والقانون الأخلاقي فينا”[19]. فكأن هذه الدقة والحكمة المتجلية في نظام الأفلاك والنجوم، تحتم وجود نظام داخلي آخر في حياة الإنسان يضبطه ضبط الأفلاك للنجوم.

وعليه فإن القول بأن الدين هو اختيار لا عقلاني، أو أنه عبارة عن خرافات، يعد ” في أسوأ الأحوال جريمة فلسفية بحق الإنسان، وجناية علمية، وحوبة معرفية، وفي أحسن الأحوال رومانسية حالمة ومثالية فارغة لا تمت للواقع بصلة”[20]


[1] بدوي، عبدالرحمن، موسوعة الفلسفة، الاسكندرية: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ج1/ص409

[2] العميري، سلطان، ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي، الطبعة الأولى، (الخبر: مركز تكوين للبحوث والدراسات) 1438 – 2017م، 2/259 و 395 بتصرف.

[3] أرنولد توينبي، تاريخ البشرية ، بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، الجزء الأول ص19

[4] ويل ديورانت، قصة الحضارة، بيروت: دار الجيل، 1/115

[5] محمد دراز، الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ص 31- 83  بتصرف.

[6] نقلاً عن: العميري، سلطان، ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي، الطبعة الأولى، (الخبر: مركز تكوين للبحوث والدراسات) 1438 – 2017م، 2/391 بتصرف.

[7] ويل ديورانت، قصة الحضارة، بيروت: دار الجيل، 1/105 -107 بتصرف

[8] آفاق علمية ورؤى نقدية: في الثقافة والاجتماع والإدارة واللسانيات وفلسفة المنهج / عبدالله بن سعيد الشهري – ص 22-23 بتصرف

[9] ويل ديورانت، قصة الحضارة، بيروت: دار الجيل، 1/99

[10] الشهري، عبد الله، ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان، بيروت، مركز نماء للبحوث والدراسات، ص76

[11] ويل ديورانت، قصة الحضارة، بيروت: دار الجيل، 1/117

[12] ويل ديورانت، قصة الحضارة، بيروت: دار الجيل، 38/214

[13] ابن تيمية، مجموع الفتاوى 15/357

[14] بواسطة: الشهري، عبد الله، ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان، بيروت، مركز نماء للبحوث والدراسات، ص91

[15] انظر أبحاث بمركز “بيو” وهو أحد المراكز المتخصصة في الدراسات الإحصائية حول الأديان في العالم.

[16] سامي عامري، العالمانية طاعون العصر: كشف المصطلح وفضح الدلالة، الرياض: مركز تكوين للدراسات والأبحاث، ص175 بتصرف.

[17] عبدالرحمن طه، بؤس الدهرانية: النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ص115.

[18] عبدالله الشهري، المخرج الوحيد، ص146

[19]إيمانوئيل كانط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، بيروت، مركز الإنماء القومي، د.ت، 136.

[20] الشهري، عبد الله، ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان، بيروت، مركز نماء للبحوث والدراسات، ص109

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى