مقالات

مركزية الإنسان في العلاقات (الحب الحديث أنموذجا)

يعيش واقعنا أزمة تفكك عاطفية غير مسبقة، بل إن جوانب العلاقات في حياة الإنسان اليوم جزء كبير من أسباب بؤسه وضيق عيشه، ولهذه الأزمة صور متعددة ومنابع شتى، لكني هنا أتناولها عبر تساؤلات تعرض لكثير منا، 

لماذا تتسم علاقاتنا بهذا التفكك؟ ولماذا تبدو كتجارب عابرة سرعان ما نتحلل منها؟ هل تورثنا التجربة ألمًا، أم أن هذه هي الصورة المناسبة لنمط حياتنا المعاصرة ونحن نتحرك في سياقها؟

أولًا: مركزية الإنسان في العصر الحديث

حين سعى الإنسان إلى تخليص نفسه من كل هيمنة محيطة به؛ رغبةً في أن يتحلل من القيود التي أطّرت له صورة الحياة ونظمت سير معيشته فيها؛ قضى على كل موروث من شأنه أن يضبط حريته، بدءًا من الدين وقداسة الإله، وانتهاءً بأعراف مجتمعاته وتقاليدها، لكنه ما إن وضع عنه قيوده حتى أدرك أنه واقع في الفراغ لا محالة، ذلك الفراغ الذي أدى إلى اختلال عالمه واضطراب المركز الذي يستند إليه، وليهرب من هذه الأزمة، فقد أعاد توجيه رؤيته الوجودية ومعالم حياته ببوصلة جديدة، تنطلق من ذاته وتنتهي إليها، فأضحت الذات بذلك هي نقطة الارتكاز الوحيدة في العالم الحديث(١)

من هنا ترسخت فكرة رئيسة قامت عليها معالم الثقافة الحديثة، مستعيضة عن هيمنة القانون الإلهي بهيمنة الذات، وقائمة على حصر القيمة والأهمية فيها، بل واتخاذها مرجعية حصرية في تحديد هوية الإنسان وغاياته وأسلوب عيشه وعلاقاته(٢)

هذا الإعلاء الحصري لقيمة الذات كان هو الحضيض الذي رتعت فيه العصور الحديثة، غاضّة كل طرفٍ عن الأزمات التي جرفتها معها لحياتنا، مجتمعاتٍ وأفراد.

(1)   عصر الفراغ جيل ليبوفتسكي ص 87

(2)   معنى الحياة في العالم الحديث عبد الله الوهيبي ص 103

 فنشأت أزمات كالفردانية والأنانية، أفكار لصيقة بمجتمعات لا اعتبار فيها إلا بمصالح الأفراد، حيث لا يسعون فيها إلا إلى البحث عن ذواتهم وتوكيدها، يرون العالم من منظورهم كساحة لتحقيق ما يرضيهم ويريحهم، وسلسلة من الفرص السانحة لمتعتهم فقط (1)

ثانيا: الفردانية ونماذج العلاقات الحديثة

لم تكن الفردانية صورة مثالية من حفظ خصوصية الأفراد وتكييف الحياة لتتواءم مع مصالحهم وتذلل العقبات التي تشكلها الجماعية أمامهم، إنما نموذجًا خبيثًا سعى ليهدم ثوابت الفرد ويجرده من كل منظومة ينتمي إليها، وفي سبيل تحقيق ذلك فقد صدّرت هذه الأفكار لأفراد الحداثة صيحات عن الكفاء والاستقلال الذاتيين، ورسخت فيهم قواعد عن الحياة المرفهة التي لا يتعرض فيها الإنسان للمخاوف والمسؤوليات المشتركة، ولا تراوده فيها أسئلة عن العلائق والصلات والروابط.

ولم تورث خرافات الاستقلال الذاتي للأفراد سوى فكرة الأصالة وفردانية تحقيق الذات، هذه الأصالة هي ما هدد استمرار العلاقات فيما بعد، وأضعف إمكانية دوامها (2) إذ يتطلب المثال الأعلى لها أن تبقى خيارات الفرد مفتوحة إلى الأبد (3)

هكذا لم يعد هناك حاجة إلى الانتماء للعلاقة والتضحية في سبيل قيامها، فقد صارت مجرد علاقات قائمة على أغراض ذاتية تحقق المنفعة المحضة للفرد، متحررة تمامًا من قيود الالتزام والمسؤلية، ومن جديد أضحت الذات مركزًا تقوم العلاقة لأجله وتركن إليه، ذلك الذي عبر عنه ليبوفتسكي بقوله: لكي تكون الصحراء الاجتماعية قابلة للحياة؛ لا بد أن تصبح الأنا هي الانشغال المركزي، ولا يهم إذا تحطمت العلاقة أو انهارت أبنيتها، فبوسع الفرد دائمًا أن يغرق في ذاته ويستند إليها (4)

بل أضحت الحياة العاطفية بشتى صورها مندرجة ضمن إطار المشاريع الذاتية، تلك التي يستثمر فيها الفرد كل الموارد المتاحة -ولو كانت بشرًا- لتوكيد ذاته فحسب.

(1)   انظر معنى الحياة في العالم الحديث ص 131

(2)   المصدر السابق ص 311

(3)   لماذا يجرح الحب إيفا إيلوز ص 183

(4)   عصر الفراغ ص 59

وقد أكد هذا المعنى لوك فيري بقوله: بات الأفراد مرغمين على استهداف غاياتهم الخاصة ومصالحهم الذاتية، وبهذا واجه الإنسان نمطًا جديدًا للعلاقات محصورًا في صورة المواجهة والثنائية المنعزلة القائمة على إثبات الذات عبر تجسيد الأنانية (1)

نتيجة لذلك لم تحمل نماذج العلاقات الحديثة في طياتها سوى التذبذب والهشاشة المفرطة، بسبب ضعف الأسس والقيود فيها، والاستناد إلى أبنية الفرد الذاتية (2)

 ثالثًا: الحب الحديث أنموذجًا

كان الحب ولا زال حائط الأمان الذي يأوي إليه الإنسان في هشاشته وضعفه، يتلمس فيه قيمة الوجود وأثر الحياة، وهو في ذاته مقتضىً من مقتضيات الحياة المشتركة، يمنح الإنسان ذاتيةً واسعةً قابلة للاجتماع والتآلف مع عناصر الوجود الأخرى، وقد ظل في العصور القديمة صورة سامية تتعالى على الأفراد، تحكمه منظومة من القيم، يجد فيه الفرد حاجته من اليقين والاعتراف بالوجود، ويبذل قدر ما يأخذ، علاقة قائمة على العطاء، والأفراد فيها عناصر تتفاعل لتقيم الحياة كغاية يسعى الجميع إليها.

ومع غزو فيوض الحداثة لشواطئ عالمنا، واكتساب الذات الحديثة سيادة في عالمها الخاص؛ تحولت صورة الحب النقية إلى أخرى مشوهة، يتعارك الأفراد فيها على الظفر بفردانية كل واحد منهم، بغض النظر عن الغايات الكبرى والوسائل المؤدية إليها.

(1)   الإنسان المؤله او معنى الحياة ص 119، ص122، ص 128

(2)   معنى الحياة في العالم الحديث ص 313

إلام آل الحال؟

في ظل هذه الأفكار تحول الحب كسائر القيم إلى مجرد صورة استهلاكية يبحث فيها الإنسان عن متعته وإرضاء ذاته، غايته الرئيسة سد حاجاته النفسية من الاعتراف والأمان، “يختار فيه ما يلائم ذاته ويناسبها بلا اعتبار لوجود الآخر وسلبيته” (1) بل يتحول وجوده إلى مجرد لوحة يرسم فيها الإنسان معالم العلاقة التي يريدها، وحبذا لو كانت لوحدة بيضاء حتى لا تتعارض مع رغبة الرسام، وبالطبع لسنا في حاجة

إلى أن نسأل عن شعور اللوحة التي يثقلها بكل هذا الطلاء، فليس للوحات أن تعبر عن شعورها (2) ولو كانت بشرًا.

هكذا تشكلت أزمة الحب المعاصر، حيث لا تنبع من الوفرة في وجود الآخرين، إنما تنبع من تآكل الآخر في منظور الفرد، وهو ما ينتج بطبيعة الحال تصاعدًا نرجسيًا للذات (3) ذلك الذي منح الإنسان ثقة مفرطة بأحقيته في كل شيء، وتصورًا ثابتًا “بأن كل ما هو فريد ومميز يخص ذاته وحدها ويعود الفضل فيه إلى طبيعته ومحض وجوده “(4) إنه يستحق الحب لأنه موجود وله ذات أصيلة فحسب.

لأجل هذا افتقر الحب الحديث إلى كل ما من شأنه أن ينتمي إلى السمو والتعالي (5) فصار علكة في فم الأنانية، يلوكها كل فرد كلما رغب ويلفظها كلما زهد، سلعة نشتريها إذا أعجبنا بريقها، ثم حين نرى جوانبها الأخرى نسارع إلى تبديل مشترواتنا قبل انقضاء مهلة البيع.

(1)   معاناة إيروس بيونغ شول هان ص 10، ص 22

(2)   الحب السائل زيجمونت باومان ص 54

(3)   معاناة إيروس ص 9

(4)   معنى الحياة في العالم الحديث ص 173

(5)   معاناة إيروس ص 31

رابعًا: إعادة ضبط للبوصلة 

على النقيض مما خلفته الحداثة من رؤية قاصرة، فقد وفّر الإسلام للإنسان منظومة تشريعية كونية يرى من خلالها الوجود مرتكزًا على شرائع ثابتة وتوجيهات محكمة بها ينظم حياة أفراده، وموزونة بميزان الوسطية والخيرية، منطلقها ومنتهاها قداسة الإله وحده والتمركز حوله سبحانه، وألزم الإنسان بموضع من خريطة الكون، كحارث فيها لا مالك، وعامل لا رب عمل، وقد ضبط هذا النفس البشرية وردها إلى دورها الأصيل كلبِنة في الحياة لا تستقيم وحدها ولا تقوم بذاتها.

وفي سياق ذلك فقد عظم التشريع من قيمة الجماعة وأعلى من شأن التعاون والمؤازرة والبذل والعطاء كقيمٍ سامية تنهض عليها أبنية العلاقات، وجعل لكل بناء فيها غاية ووسيلة، بل وضبط معايير البناء وآليته حتى لا تقوضه فرقة ولا تزعزعه رياح.

لأجل هذا كانت حاجة الإنسان الماسّة إلى رؤية الكون من منظور الشريعة، حيث يبدو من خلالها أكبر من مجرد مرآة لا يرى فيها إلا نفسه، وأوسع من غرفة جوفاء لا يسمع فيها إلا صداه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى